|
|
 |
أشارت بعض وسائل
الإعلام أخيرا إلي قيام بعض الهيئات الأكاديمية ــ وعلي وجه
الخصوص جامعة الإسكندرية ــ بدراسة إمكان ترك مواقعها وما بها من
مبان وصروح ذات القيمة العقارية المرتفعة وذات السمات المعمارية
المسجلة في ذاكرة الأجيال, والانتقال إلي مواقع جديدة تناسب
احتياجات ومتطلبات تطورها المستقبلي, وتحصد من جراء ذلك عوائد
مالية كبيرة مع توفير قيمة ترميم المباني القديمة التي تزخر بعبق
التاريخ وذكريات الأجيال.
وصدمني هذا النبأ العظيم الذي
هز ضمير الغيورين كذلك!! وأثار الكثير من التعليقات والآراء
المعارضة, خاصة من المجتمع الأكاديمي ومئات الآلاف من
المواطنين الذين عاشوا في هذه المواقع وارتبطت ذكرياتهم وذاكرتهم
بهذه المباني والمواقع. وأشار عدد من الكتاب بحق الي أن جامعة
هارفارد بكمبردج بأمريكا أو جامعة لندن بلندن أو جامعة السوربون
بباريس تحتل مواقع استراتيجية بوسط المدن وأصبحت مكونات هامة من
ذاكرة تلك المدن ومن ذاكرة الجماعات والأفراد والأوطان, وأنه
لا يمكن التفكير في مواقع بديلة لها حتي لا تتعرض هذه الذاكرة
للضياع مهما تكن قيمة المكاسب المادية أو المالية. ذلك أن
الهيئات والمباني المؤسسية الرائدة تشكل ذاكرة الأمة وذاكرة
الإنسان, ليس فقط لقيمة طرزها وشكلها وسماتها المعمارية
والجمالية والتراثية, وهذا هو الشق المنظور فقط المسجل في
ذاكرة الكافة, وإنما أهم من ذلك وأخطر وأكثر تأثيرا ووقعا
ومعني ما هو مرتبط بها من ذكريات وأحداث وأقوال وأفعال وتجارب
شخصية ومناسبات اجتماعية ولقاءات علمية متوحدة مع الانسان والفرد
والمجتمع. وهذا نادر وثمين, وغال وعظيم, يتكامل مع معاني
الحضارة والوجدان, ومع الثقافة والروح والكيان, وسلوك
وأداء الإنسان, إذ لا يمكن استبداله أو استيراده أو تغييره أو
محوه مهما كان الثمن ومهما يكن المردود. فهل لتراب الوطن
وضميره وكيانه من ثمن ــ أيا كان؟! إذا كانت هناك حاجة لأنشاء
جامعة متطورة جديدة فمرحبا بها في الظهير الصحراوي كقاعدة علمية
واقتصادية جاذبة لعمران مستقبلي جديد واعد!
إن دواعي
ومزاعم الاستثمار والاستغلال الاقتصادي التي تنادي بها وتروج لها
بعض الجهات ويتبناها بعض الأفراد بهدف هدم المباني والتراث
والفيلات والمواقع من أجل إفساح الطريق أمام تحقيق المكاسب
المادية وتنمية الموارد الذاتية وإيجاد أنشطة وتجمعات ومبان
ومؤسسات أكثر كفاءة, وأعلي أداء وأوسع آفاقا, يمكن أن تؤدي
الي محو ذاكراتنا وطمس هويتنا واندثار ما بقي من الانتماء
والولاء للوطن. فالأرض والمكان عرض وكيان, لا يطيق أن يفرط
فيه إنسان.
لقد كفي ما ضاع من تراثنا واختفي من ذاكرة
امتنا من مبان ومعالم, وآن الأوان أن ننقذ ما بقي. ونصون ما
أفلت من معاول الهدم وهجمة الضياع ومخطط التخريب. ذلك أن
الواجب يقضي والأمانة تستوجب أن نحافظ علي ذاكرة أمتنا كأمانة
لنا ولأجيالنا القادمة وللعالم أجمع مع ضرورة التأمين عليها ووضع
الأطر التشريعية والإدارية والتنفيذية والتمويلية الكفيلة بتحقيق
ذلك. إن تجارب المدن والدول المتحضرة رائدة في مجال الحفاظ علي
التراث وصون ذاكرة الأمة, ومن الواجب الاسترشاد بها والعمل علي
تطبيق ما هو مفيد منها فورا وقبل أن تستفحل المشكلة ويصعب
الحل, ولات ساعة مندم. ولا يجب ألا يضار من ذلك أصحاب
الأملاك ــ سواء كانت قصورا أو فيلات أو أعمالا ــ فهؤلاء يمكن
تعويضهم بحوافز مالية من عوائد البترول أو قناة السويس ومن جمارك
السلع الترفيهية. إن تجربة الكويت وقطر في تخصيص1% من عوائد
البترول سنويا للبحث العلمي, كان لها الأثر الايجابي علي
العملية البحثية والتعليمية والتفوق الأكاديمي. إذا كانت هناك
إرادة فسيبزغ الحل الشافي, والمنقذ الوافي, لكافة الاطراف
أفرادا وهيئات ومجتمعات.
ياسادة.. إن الوطن ينادي
والأمة تستنفر أبناءها أن يهبوا وأن يصحوا, وأن يفيقوا وأن
ينقذوا ذاكرتها وماضيها, وأن يسموا, ليواجهوا التحدي,
وعواقب التردي, وأن يصونوا تراثها من أي تعد! فهل من منقذ؟
وهل من مجيب؟ |
|
|
|
|
|