|
|
 |
في التسعينيات
واجه العالم التغير المناخي والاحتباس الحراري وتداعياته
الكارثية علي البشرية من خلال مؤسساته ومؤتمراته دون طائل,
برغم تغير المكان والزمان, بدءا من إنشاء برنامج البيئة التابع
للأمم المتحدة في نيروبي في السبعينيات إلي المؤتمرات الدولية
والإقليمية والوطنية الكثيرة التي عقدت وناقشت مشكلات البيئة
وتحدياتها. ولقد عقدت قمة الأرض الأولي في ريودي جانيرو
بالبرازيل في أوائل السبعينيات, وتم فيها إقرار أجندة21
لمواجهة دولية لمشكلات البيئة والتنمية والمناخ حسب برنامج زمني
محدد, إلا أن معظم التوصيات لم توضع موضع التنفيذ؟! كما تبين
ذلك من قمة الأرض الثانية التي عقدت في جوهانسبرج بجنوب إفريقيا
بعد مرور10 سنوات في مطلع القرن الحالي.
وعقدت الأمم
المتحدة مؤتمر كيوتو باليابان في نهاية القرن الماضي والتزمت
الدول الموقعة علي البروتوكول بتخفيض معدلات انبعاث ثاني أكسيد
الكربون والغازات الأخري الملوثة للجو لما تسببه من تعاظم مشكلات
التغير المناخي والاحتباس الحراري والتنوع البيولوجي, وذلك
بحلول عام2012, إلا أن الولايات المتحدة, وهي الدولة العظمي
المتسببة في نحو25% من الانبعاثات الغازية العالمية, خاصة
ثاني أكسيد الكربون, قد خذلت المجتمع الدولي برفضها تنفيذ
توصيات البروتوكول, وذلك لتأثيرها السلبي علي حركة التنقل
والإنتاج الصناعي, حسبما ذكر الرئيس الأمريكي
بوش!!
ولقد ثبت للجميع, خاصة الخبراء والمتخصصين,
أن ارتفاع معدلات الانبعاثات الغازية, خاصة من الدول المتقدمة
صناعيا, قد أسهمت في تأزم مشكلة الاحتباس الحراري, وإلي
نتائج وكوارث طبيعية شملت جميع أنحاء العالم خلال السنوات
القليلة الماضية, ولقد تم رصد علمي لازدياد ذوبان الجليد في
القطبين الشمالي والجنوبي من جراء ارتفاع درجة حرارة الجو حول
العالم بمعدل3.5 درجة فهرنهيت, مما أدي إلي ارتفاع مستوي
المحيطات والبحار, وتهديد الشواطئ, وازدياد معدلات النحر
لها, وغرق دلتا الأنهار, بالإضافة إلي هذا فقد لوحظ الارتفاع
الكبير في معدلات التصحر وكثرة الأعاصير المدمرة للإنسان
والعمران, من كاترينا في لويزيانا وغيرها من ولايات الجنوب
الأمريكي, إلي التسونامي في إندونيسيا, إلي جونو أخيرا في
خليج عمان, وما صاحبها جميعا من قتلي ودمار وفيضانات جارفة,
كذلك شهدنا حول العالم زلازل ساحقة( باكستان ـ إيران ـ تركيا ـ
اليونان ـ الصين ـ المغرب...), وبراكين ماحقة قد حصدت آلاف
الأرواح, ودمرت آلاف الديار, ومحت معالم الاستثمار
والإعمار.
وقد غضبت مختلف منظمات المجتمع المدني من
تجاهل الدول الصناعية الكبري لحقوق الإنسان, وتدميرها لمستقبل
الأجيال بسبب رفضها الالتزام العملي, برغم الالتزام
القانوني, بمقررات بروتوكول كيوتو, فتم تنظيم المؤتمرات
وتجمعات الاحتجاج والمظاهرات خلال انعقاد المؤتمرات الدولية,
سواء في مونتريال, أو لندن, أو واشنطن, أو باريس, أو
هيليجندام أو غيرها من المدن, وحتي في الولايات المتحدة
الأمريكية نفسها فقد تبني نائب الرئيس السابق آل جور حركة مدنية
كبيرة, بالتنسيق مع أحزاب الخضر حول العالم, تطالب بمواجهة
الاحتباس الحراري, وضرورة الحد منه من أجل الحفاظ علي مستقبل
الأجيال المقبلة, خاصة إذا كانت قمم الأرض المتعاقبة
والمؤتمرات والاتفاقات الدولية والإقليمية قد اهتمت مبدئيا وأكدت
شكليا التنمية المتواصلة والمستدامة.
ولقد أكد الرئيس
الفرنسي السابق جاك شيراك في مؤتمر عالمي عقد في باريس في مارس
الماضي, ضرورة الالتزام أولا بعدم زيادة معدلات الانبعاث
الغازية الحالية, والعمل جديا علي تخفيضها للنصف في فترة زمنية
محددة, مع اعتماد آليات جادة للمراقبة والالتزام والتطبيق,
وقد أكدت دول الاتحاد الأوروبي, بمشاركة من كندا واليابان,
الالتزام بتخفيض معدلات انبعاث ثاني أكسيد الكربون إلي النصف
بحلول عام2050. وقد تضامنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل
مع الرئيس شيراك ووضعت هذه القضية العالمية ضمن أهم موضوعات قمة
الثماني(G8) التي عقدت في2007/6/7 في هيليجندام الواقعة في
شمال ألمانيا علي بحر البلطيق, وقد توقع الكثير من المراقبين
مقاومة أمريكا للتوجه الأوروبي ومقررات بروتوكول كيوتو, خاصة
عندما أعلن الرئيس بوش أخيرا عن مبادرة جديدة, وذلك قبل انعقاد
قمة الثماني, باقتراح أمريكا تنظيم اجتماع لمجموعة من الدول
الخمس عشرة الأكثر تلويثا للمناخ من أجل اتفاق علي استراتيجية
جديدة خارج إطار الأمم المتحدة, ذات أهداف طويلة المدي للحد من
انبعاثات ثاني أكسيد الكربون؟! إلا أن الله غالب علي أمره,
وتغير المناخ في قمة الثماني في هي ليجندام, وخرجت
المستشارة الألمانية المضيفة بعد الاجتماع لتعلن لوسائل الإعلام
عن إنجاز كبير للقمة بموافقة أمريكا علي استراتيجية التوجه
الأوروبي من حيث المبدأ بوقف زيادة الانبعاثات الغازية عند
المعدلات الحالية أولا, ثم العمل علي تخفيضها للنصف بحلول
عام2050, وذلك تحت مظلة الأمم المتحدة, وليكون ذلك استمرارا
وتواصلا مع مقررات وبروتوكول كيوتو التي ستنتهي
في2012!
وقد يستغرق الأمر عدة سنوات من اللجان
والاجتماعات, وقد يحل عام2012 موعد انتهاء بروتوكول كيوتو
دونما التوصل إلي اتفاق واقعي وعملي يلتزم به الجميع, الكبير
قبل الصغير, خاصة عند تغير الوجوه وتبدل الحكومات حسب حركة
تداول السلطة والديمقراطية في الدول المختلفة.
إن تأمين
مستقبل الأجيال المقبلة وتحقيق التنمية الشاملة المستدامة يستوجب
هذا الالتزام والحد من التلوث بجميع أنواعه: الهوائي,
والمائي, والصوتي, والأخلاقي, والبصري, والحضاري,
والسلوكي, والجسدي, والمدني.. وغيرها وغيرها, ومن
الضروري الحفاظ علي التوازنات الطبيعية والتنوع البيولوجي من أجل
الإنســانية جمعــاء, ومستقــبل البقاء كرماء, وصون الأمانة
الإلهية في قريتنا الكونية!
إن مستقبل وآفاق الإعمار في
مصر تستوجب منا استراتيجية قومية للطاقة النظيفة ومصادر المياه
البديلة, خاصة بعد انخفاض منسوب المياه الجوفية بسبب زراعة
الصحاري ومحدودية حصتنا في مياه النيل, إن لم يهدد وجودها
الجفاف لا قدر الله, مع توقع زيادة عدد السكان إلي150 مليون
نسمة عام2050, والواجب يقضي بضرورة الحد من الانبعاثات
الغازية, خاصة بعد اعتماد مجلس الشعب لبروتوكول كيوتو, وأن
نعمل بجد مع المجتمع الدولي حسب خطة طموح وبرنامج رائد نحو منع
التلوث بجميع أشكاله, سواء الجوي( السحابة السوداء
بالقاهرة, والعواصف الترابية طوال العام؟), أو البحري(
تلوث الشواطئ), أو النهري( تلوث مياه النيل والبحيرات), أو
السمعي( الضوضاء الجارفة في المدن), أو البصري( فوضي
البناء والتخطيط والألوان والأشكال والطرز المعمارية والإعلان
والإعلام), أو العمراني( العشوائيات وتأريف الحضر وتحضير
الريف!)؟! وغيرها من أنواع التغير المناخي والاحتباس الحراري
والتلوث والتلويث أيا كانت, وأينما كانت!
والواجب
يقضي أن يتم ذلك بالتعاون مع الهيئات الدولية المعنية حسب خطط
متسلسلة, وبرنامج زمني ومكاني شامل, خاصة إذا تيقنا أن
سواحلنا الشمالية مهددة, وأن التصحر يبتلع أراضينا الزراعية,
وأن مياه النيل مهددة بالجفاف, وأن وحش الاستثمار والإعمار
يلتهم بشراهة أراضينا الزراعية, وإنجازاتنا الحضارية دون
اهتمام بمصادر الحياة أو المياه, أو الحفاظ علي التراث, أو
حقوق الإنسان, أو صون أمانة المكان!! لقد لاحت لحظة
القرار والإبرام, ولاحت ساعة الندم!! |
|
|
|
|
|