بسم الله الرحمن الرحيم

 

الآفاق الواعدة للتنمية الشاملة مع أوروبا الجديدة

 

 

دكتور/ محسن زهران

أستاذ التخطيط – جامعة الإسكندرية

 

     مولد أوروبا الجديدة تحد للقطب الأوحد:

 شاهدنا وتأملنا وقدرنا وأكبرنا الاحتفالات الرائعة التي عمت القارة الأوروبية " العالم القديم“ ، كما وصفها وزير الدفاع الأمريكي دونالد رمسفيلد بمناسبة توسيع الاتحاد الأوروبي وانضمام عشرة أعضاء جدد من دول شرق أوروبا إلى دول الغرب الخمس عشر،  وهكذا طويت صفحة العداء المستحكم بين دول دخلت حربين عالميتين وانتظم عقد التحالف والتعاون والوحدة والتكامل والتقدم بينها بعد نصف قرن من الشمولية والمعاناه والانغلاق والظلام والتخلف .

 

أن أوروبا الجديدة -  New Europe كما وصفتها شبكات الإعلام-  بعد انضمام دول الشرق وهى استو نيا ولاتقيا وليتوانيا والمجر وبولندا والتشيك و سلوفاكيا وسلوفينيا وقبرص ومالطا الى الاتحاد الأوروبي تضم الآن خمس وعشرين دولة يقطنها حوالي 455 مليون نسمة، وتعتبر أكبر منطقة تجارة حرة فى العالم ويعادل الناتج القومي لدولها الولايات المتحدة، وسيسجل التاريخ هذا التطور والتحول المشهود في القرن الواحد والعشرين بعد قرون من الصراعات والنزاعات والحروب التى سقط فيها عشرات الملايين من البشر.

        لقد شهد تاريخ أوروبا محاولات مجهوضه لإعلاء أشكال من التوحد منذ عهد شارلمان فى القرن الثامن إلى محاولات من لويس الرابع عشر ورؤى الوحدة التى نادى بها فولتير ثم نا بليون فى القرن التاسع عشر والأفكار التى روجها فيكتور هوجو فى 1846الى هتلر وستالين وتشرشل فى القرن العشرين .لقد لاحت أضواء فجر الاتحاد بعد الحرب العالمية الثانية فى عام 1957 عند إنشاء المجلس الأوروبى عام 1949 وتلي ذلك اتفاق السوق المشتركة والوحدة الأوروبية الاقتصادية بين كل من فرنسا وألمانيا وايطاليا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورج.ثم نمت شجرة الاتحاد تدريجيا بانضمام بريطانيا وأيرلندا والدانمارك فى عام 1973 ثم اليونان فى عام 1981 . وتبع ذلك انضمام كل من أسبانيا والبرتغال عام 1986 واكتمل عقد الخمس عشر دولة فى عام 1995 بانضمام كل من النمسا والسويد وفنلندا حتى أصبح عدد السكان حوالى 375 مليون. وبتوسيع الاتحاد الأوروبى فى عام 2007 بضم كل من بلغاريا ورومانيا سيصل سكان الاتحاد إلى 480 مليون نسمة تضم 500 أقلية تتحدث 21 لغة وحوالي عشرين ثقافة مختلفة وتوجهات متعددة وتطلعات اجتماعية وعرقية متنوعة ومستويات اقتصادية مختلفة

 

أن الأساس القوى الذى شجع علی إقامة صرح الاتحاد الأوروبى فى" القارة العجوز"هو التركيز على كيان يرتقى فوق صراعات وحساسيات القوميات والثقافات وترتفع فوق معاني مناعة الحدود وانغلاقها والصراعات ونيرانها، كيان يحمى ولا يهدد، يصون ولا يبدد وينمو على أكسير الليبرالية ورحيق الديمقراطية وأنوار الحرية وتقديس الحقوق الإنسانية. ولعل فى هذا درس نعيه ونبراس نمضى علية بعد المحاولات المجهوضة للوحدة والاتحاد فى العالم العربى التى سبقت الاتحاد الأوروبى بعدة سنوات والتي ماتت يوم ميلادها لافتقارها لهذه الأسس والمبادئ والمقدسات

   إن تجربة أوروبا الجديدة تجربة جديرة بالتبصر والاعتبار من حيث الشكل والمضمون و الحريات والديمقراطية وتداول السلطة والمشاركة والمرونة والحوار والتفاعل والأهداف والمبادئ ومراحل التنفيذ والسماح بالاختلاف والتنوع والتطور.   

 

 

 

  ومن الواجب أن نستمد العبر ونعي المعانى المستمدة من هذه التجربة الرائدة،  ذلك أنه إذا نظرنا إلى معظم التجمعات والمنظمات الإقليمية التى تعتمد على القوا سم والمقومات المشتركة من اللغة أو الدين أو الثقافة أو الأصل أو العرق أو اللون أو الجغرافيا أو التاريخ أو الحضارة أو الموارد الطبيعية أو الثروات أو الإمكانات و غيرها. لقد ثبت أنها تظل شكلا بلا مضمون و بلا فاعلية أو تأثير، ولا نفع منها ولا خير فيها 0 فالأمثلة كثيرة والتجارب مريرة، ففي الشرق الأوسط كلنا يعرف ما آلت إليه الجامعة العربية وغياب تأثيرها وفعاليتها، وكذلك بالنسبة لمنظمة المؤتمر الاسلامى ومنظمة الآسيان بجنوب شرق أسيا، ومنظمة الوحدة الإفريقية،  ثم الاتحاد الافريقى الوليد ومنظمة الكوميسا فى إفريقيا، ومنظمة النافتا فى شمال أمريكا ومنظمة دول أمريكا اللاتينية. و أغلب هذه المنظمات والمجموعات الإقليمية يسودها الخلاف قبل الوفاق والصراعات قبل الاتفاقات. فالأشكال واهية والأوعية خاوية والصراعات دامية والأصوات مدوية لكن النتائج زاوية .

 

 

 

ورغم أجواء الوئام ومراسم الاحتفال وتحقيق الأحلام وإنجاز الآمال لتوسيع الاتحاد الأوروبى،  فإنه لم يغب عن المسئولين أو عن جموع المواطنين ما يواجهه الاتحاد من مصاعب ومشكلات وما يعتريه من تحديات ومشاكل بدءا من الاتفاق على دستور الاتحاد والاختلال فى المعدلات الاقتصادية ومن اختلاف فى قيم دعم الاتحاد للتنمية فى الدول الأعضاء ومن ارتفاع معدلات البطالة ومن اختلاف فى السياسات النقدية والمالية ومعدلات النمو ( الدول المنضمة حديثا تزهو بمعدلات نمو أعلى من أوروبا الغربية لتوانيا 7% ، ألمانيا 3% )، لذا فقد رأت المفوضية الأوروبية أن تتم عملية إدماج الأعضاء الجدد على مراحل بإزالة الحواجز الجمركية فى أول مايو الحالى. وقد يتم تطبيق اليورو على مراحل حنى 2011، وتنظيم حركة الهجرة الداخلية من الدول الأعضاء للبحث عن العمل مع تشديد إجراءات الهجرة غير الشرعية من دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا  ويخشى الأعضاء القدامى فى الاتحاد من تدفق العمالة الرخيصة من دول الشرق الجديدة ( فى بولندا البطالة 20% ) مما يزيد من معدلات البطالة ويقلل فرص الانتعاش الإقتصادى ( فرنسا ؟ ) ولقد تم الاهتمام بالنواحي الأمنية للتنسيق بين الدول الأعضاء لمكافحة الجريمة ومجابهة الإرهاب والتوفيق بين الجهات والأطر والفعاليات الأمنية والاستخبارية المختلفة خاصة فى المرحلة الأولى فى ضوء الحملات الإرهابية والصراعات السوقية المحلية والإقليمية والدولية

 

    وبناء على خطط الإنماء والتطوير للمفوضية الأوروبية فى بروكسيل فإنه من المنتظر أن يزيد عدد السكان فى الدول الأعضاء فى عام 2050 بنسبة 10- 15%( سيتضاعف عدد السكان فى مصر والمنطقة فى نفس الفترة )، وسينخفض مثلا سكان إيطاليا بنسبة 30% بينما ينخفض عدد السكان فى دول الشمال إلى النصف مما يستوجب دعم الأسرة وتشجيع الإنجاب واستيراد العمالة لدعم تمويل صناديق المعاشات مع خفض ساعات العمل 20% والحفاظ على معدل النمو الإقتصادى فى أوروبا الجديدة لكى تنافس المعدلات المرتفعة فى مجموعة الدول الآسيوية خاصة الصين 8.2 % واليابان 2.6 % والنمور8 % وتجمع دول أمريكا الشمالية 3% مع ضرورة الربط والتكامل بين التنمية الاجتماعية والاقتصادية .

 

 

 

 

 

الدوائر الإقليمية والتنمية الشاملة

 

فى ضوء التجمعات الوحدة الاقتصادية الإقليمية الكبرى فى أوروبا الجديدة ( اجمالى الناتج المحلى بعد التوسع 10.124 تريليون  دولار ) والقطب الغربى(فى الولايات المتحدة  اجمالى الناتج المحلى 10.468 تريليون ) والقطب الشرقى( اليابان 4.141 تريلیون / الصين 1.159 تريليون / ومجموعة الآسيان) .لا مناص من أن ترتبط الاستراتيجية الوطنية والإقليمية لمصر مع هذه القوى الكونية الفاعلة على المدى القصير( 5 سنوات ) والمدى المتوسط (10 سنوات) والمدى البعيد( 20/ 50 سنه ) .

ولقد نبه السيد رئيس الجمهورية إلى هذه القوى الصاعدة المؤثرة فى مستقبل العالم ووجه الحكومة إلى عقد الاتفاقيات الواجبة الثنائية ومع الاتحاد الأوروبى ومع الولايات المتحدة من أجل إتاحة المشاركة وفتح الأسواق ودفع عجلة التنمية الاقتصادية إلى الأمام، ومن حسن الطالع أنه تم الإعلان فى آخر ابريل الماضى بأن المفوضية الأوروبية أبلغت الحكومة المصرية رسميا باستكمال الطرف الأوروبى جميع إجراءات التصديق على اتفاقية المشاركة المصرية – الأوروبية والتى سبق أن صدق عليها مجلس الشعب المصرى منذ عام، لكي يبدأ التنفيذ الفعلى فى أول يونيو طبقا للمادة 92 ( الأهرام 29/4/2004 ) .وهناك إجراءات وبروتوكولات مماثلة جارية مع الولايات المتحدة تحت التنفيذ ومع اليابان والصين .

 

ولقد توجهت السياسة الخارجية لمصر منذ فترة إلى الاهتمام بالتحرك السياسي وتنفيذ الإجراءات اللازمة للتفعيل المؤثر والمفيد للمصالح القومية من خلال دوائر متكاملة ومتداخلة بدءا من الدائرة العربية ثم الدائرة الإسلامية ثم الدائرة الأفريقية ثم الدائرة المتوسطية الأوروبية ثم الدائرة الآسيوية ثم دوائر الأقطاب ( الولايات المتحدة / روسيا ) ثم دائرة أمريكا اللاتينية . ولا يد هنا من ترتيب أولويات هذه الدوائر حسب المصالح والعوائد الاستراتيجية الوطنية والقومية الإقليمية سواء السياسية أو الاقتصادية أو الحضارية أو الاجتماعية أو الثقافية، ويدخل البعد الامنى فى كافة هذه الأبعاد كقاسم مشترك أعظم وأوليات هذه الأبعاد تختلف من دائرة إلى أخرى فالدائرة العربية مثلا تكون الأبعاد سياسية أمنية اقتصادية اجتماعية حضارية والدائرة الإسلامية سياسية دينية اقتصادية أمنية اجتماعية حضارية ثقافية والدائرة المتوسطية الأوروبية سياسية اقتصادية أمنية حضارية تكنولوجية والدائرة الأفريقية سياسية أمنية اقتصادية ثقافية اجتماعية والدائرة الأمريكية سياسية اقتصادية تكنولوجية ثقافية حضارية وهكذا .

 

تكامل دول الشمال والجنوب المتوسطي

 

لا شك أنه فى ضوء التوسع الحالى والمستقبلي للاتحاد الأوروبى فان التعامل بل  التكامل المؤثر والفعال مع الدائرة الأوروبية المتوسطة أصبح ضرورة ملحة واجبة التحقيق وأحد مرتكزات الاستراتيجية القومية . ولا أنسى أنني منذ التسعينات من خلال موقعي كمدير لمكتبة الإسكندرية عملت على تحفيز إسهام الدول المتوسطية الأوروبية فى دعم إقامة المشروع أنشاًء و أعداداً و تجهيزاً وتدريباً وتشغيلاً , أنى أكدت  على حقيقة اتفق معي عليها المسئولون فى دول الشمال المتوسطي وأعضاء جمعيات أصدقاء المكتبة, وهى  أنه باعتبار العلاقات الجغرافية والتاريخية والسياسية والأمنية والاقتصادية للدول المحيطة بالبحر المتوسط وهو بحيرة مغلقة ، فإن حدود أوروبا الجنوبية على المتوسط لا تقع عند سواحله الشمالية, جنوبي اليونان أو ايطاليا أو فرنسا أو أسبانيا, وإنما فى دول جنوب المتوسط فى شمال أفريقيا ، وأن الأوضاع الأمنية و المصاعب الاقتصادية فى هذه الدول تؤثر بالضرورة سلباً فى الدول الواقعة شمالى المتوسط، بل أن مدير برنامج الأمم المتحدة الانمائى فى مصر اتفق معي على أن المكتبة هى نافذة ليست فقط مصر بل إفريقيا للشمال وأوروبا والعالم الجديد. فالبحر المتوسط هو بحيرة اتصال وليس انفصال ، بحيرة تفاعل وتكامل وليس إهمال وانعزال .

إن دول شمال المتوسط تعي جيدا أن أمنها واستقرارها مرتبط بأمن وسلام واستقرار دول جنوب المتوسط خاصة فى ضوء العمليات الإرهابية التى هزت مجتمعاتها مؤخرا .

 

 

 

إنجازات على طريق التعاون والتكامل

 

       ولقد وعت دول الشمال الواقعة على المتوسط هذه الحقيقة كاملة، فعقدت المؤتمرات وأبرمت الاتفاقيات من برشلونة ( منع تلوث المتوسط ) إلى مرسيليا إلى ليما سول فى تورينو إلى تونس والرباط وتمت العديد من اللقاءات لدول المتوسط ومدن المتوسط تحت رعاية الاتحاد الأوروبى وبرتوكولات التوأمة بين مدن المتوسط ( الإسكندرية / مرسيليا، الإسكندريــة / سالونيكا / وغيرها ) باعتبار أن المدن المحيطة بالبحر المتوسط هى منارات الحضارة ينتظمها عقد الدرر المتوج لجبين المتوسط .

ولا بد, والأمر كذلك, من العمل على ربط الدول والمدن المتحلقة حول هذا المورد الطبيعى التاريخى والاستراتيجي المؤثر جسديا بشبكات من الطرق ووسائل النقل والتواصل الفعالة لتحقيق استراتيجية التنمية الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية والحضارية الشاملة . ولقد بدأت مصر فعلا بإنشاء الطريق الدولى الساحلى الشمالى بموازاة البحر المتوسط من رفح حتى السلوم وكذلك مد الخط الحديدي إلى ليبيا ليمتد غربا إلى المغرب وشرقا ليربط الدول العربية وتركيا.( ألم يكن ذلك هو الهدف من إنشاء وتشغيل قطار الشرق السريع ) .وتجرى حاليا مباحثات جدية بين المغرب وأسبانيا لإنشاء نفق أسفل المتوسط عند جبل طارق وبذلك ترتبط شبكات الطرق والنقل جنوبي المتوسط بالشبكات الأوروبية للدول الواقعة شمالى المتوسط .   إن التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية الشاملة ترتكز ابتداءً على مد شبكات الطرق والنقل الرابطة الهادفة والفعالة .

 

إن التواصل والتفاعل والتكامل من خلال مواكبة والربط مع قاطرة التقدم المنطلقة لأكبر سوق موحدة فى العالم فى أوروبا الجديدة يبدأ من تفعيل وتعظيم أواصر التعاون والاتفاقيات المجزية مع التجمع اليورو متوسطي والذى بدأت كفاءاتة واعلاناتة واتفاقاتة فى الظهور على أرض الواقع . ولنبدأ بالمشاركة النشطة مع تعظيم و تكثيف وإبرام البروتوكولات الفاعلة وعقد اللقاءات والاجتماعات والاتفاقيات على الصعيد الرسمى والمجتمع المدني والقطاع الخاص ولا نترك الساحة فقط لدول شمال افريقية أخرى .

           الأفاق الواعدة للتعاون الفعال الاورومتوسطى

 

إن الأفاق الواعدة للتواصل والتكامل والتواكب مع عجلة التنمية المنطلقة فى أوروبا الجديدة تقع فى الدائرة المتوسطية والاورو متوسطية الواجب أن تولى أولوية استراتيجية قومية خاصة فى ضوء الأبعاد الخطيرة لها السياسية والأمنية والاقتصادية والحضارية ولا ننسى ما حققه العبور والتواصل والتفاعل للعرب من خلال الأندلس وفرنسا، وطرق الحرير وطرق التجارة البحرية بين مصر وتركيا واليونان وايطاليا وفرنسا وباقى دول المشرق، كما يجب أن نذكر ونتذكر أن نهضة مصر الحديثة فى عصر الأسرة العلوية قد استندت إلى هذا التواصل والتبادل والتعاون الفعال الذى أثمر تقدم فى التعليم والزراعة والصناعة والطرق والعمران والفنون والحياة السياسية والاجتماعية والثقافية .

ولقد أكد سفير أيرلندا فى القاهرة خلال الاحتفال فى الإسكندرية فى أول مايو بضم الدول العشر الجدد للإتحاد الأوروبى- بحسب أن بلادة هی الرئيس الحالى للإتحاد- على دعم مصر لبدء مرحلة جديدة من علاقات التعاون معها. وأن إستراتجية المساعدات الأوروبية لمصر ودول جنوبي المتوسط سيتم تركيزها على دعم عمليات الإصلاح الهيكلي , وسبل رفع مستوى الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية وليس على مشروعات تنموية بعينها .

 وأشاد بمكتبة الإسكندرية ككيان إقليمي رائد يجمع بين ثقافات دول وحضارات مختلفة من منطلق كون الإسكندرية حلقة الاتصال والتفاعل بين مصر ودول جنوب المتوسط وشماله ودول الاتحاد الأوروبى، ولكون مصر رائدة فى عمليات السلام والاستقرار ولتركيزها الملحوظ على دفع عجلة التطوير والإصلاح السياسي والاقتصادي بالمنطقة وتعود بذلك حركة التغيير والإصلاح من الداخل المنشودة فى المنطقة .

إن أفاق ومحاور التعاون والتبادل والتفاعل بين مصر والمنطقة وأوروبا الجديدة ينبغي أن تتلافى إعلانات النوايا الشكلية واتفاقيات المشاركة المحدودة والعهود المشهودة, وتهتم     بالتنفيذ الفعلى المتكامل من اطر سياسية و تشريعية وقانونية وإجراءات وخطوات عملية حسب مناهج ومراحل محددة مدروسة ومن خلال محاور ذات استراتيجيات وأهداف ومشروعات وعمليات تنفيذية تحقق مصالح كافة الأطراف .

وأرى أقتراح بعض الأمثلة للأفاق والمحاور الواجب سرعة دراستها وتبنيها للانطلاق إلى أفاق التنمية الشاملة ومواكبة عجلة التقدم المتسارعة فى أوروبا الجديدة:

 

شبكات الطرق والنقل الدولية :  الاهتمام بالمشاركة فى تنفيذ وتفعيل والاستفادة من شبكات الطرق والنقل البرية و البحرية و الخطوط الحديدية حول حوض البحر المتوسط لتربط دول الشمال مع دول الجنوب .وقد بدأت بعض حلقات العقد فى الاكتمال والتشغيل فى مصر وبعض الدول العربية والواجب استكمال العقد حول جيد المتوسط . ذلك أن شبكات الطرق والنقل تؤدى إلى إزالة الحدود وتسهيل الانتقال وحركة التبادل الإقتصادى والنقل والعمالة وغيرها . وتوطيد العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والحضارية وكذلك الربط الحديدي والجوى بين مدن المتوسط .

 

الطاقة الكهربائية : التوسع فى ربط الشبكة القومية مع شبكات الدول المجاورة والشبكات الأوروبية لكي تتوازى البنية الأساسية من شبكات الطرق والنقل مع شبكات المرافق والطاقة. و لقد بدأ التنفيذ فعلاً.

 

البترول والغاز  :نظرا لحاجة دول الاتحاد للبترول والغاز الطبيعى واكتشاف حقول الغاز الواعدة فى المتوسط شمالى البلاد، فمن الطبيعى أن تكون فرنسا وايطاليا واليونان من أكبر الدول المستوردة له عن طريق إنشاء خطوط إمداد عبر المتوسط من الحقول المصرية . ولقد تمت خطواط تنفيذية على أرض الواقع فى هذا المجال .

 

العمالة : خلال العقود القادمة سينخفض عدد السكان فى بعض الدول الأوروبية ولا بد من تدريب العمالة المصرية المطلوبة وتصديرها لأسواق العمالة فى تلك الدول طبقا لاتفاقات وتخصصات ومهارات محددة مطلوبة، وذلك من أجل توفير فرص عمل واعدة لمئات الآلاف من أبناء الوطن سنويا .

 

السياحة :   إن الإنجازات التى حققتها مصر مؤخرا فى مجال الاستثمار السياحي والتى أثمرت زيادة عدد السائحين عن ستة ملايين سائح يمكن مضاعفتها عدة مرات كما فى تونس وأسبانيا وقبرص وتركيا واليونان لتلبى الأنشطة والتوجهات السياحية المختلفة. وهناك سحر خاص لما حبا الله مصر من مواقع وأنوية متنوعة للجذب السياحي شرقا وغربا شمالا وجنوبا مما يتيح زيادة ملايين السائحين من دول المتوسط وألمانيا والدول الاسكندنافية , و أنجلترا و أمريكا و شرق أسيا. إن آفاق الجذب السياحي واعدة والارتقاء بالسياحة فى مصر بربطها بأوروبا الجديدة لا حدود عليها أو قيود ومن الطبيعى أن العوائد والفوائد السياسية والاقتصادية والعمرانية والثقافية متعاظمة .

تصدير الإنتاج الزراعى والصناعي :  إن الإنتاج الزراعى والصناعي المصرى قد تطور فى السنوات الأخيرة لينافس عالميا بالإصرار على الالتزام الأمين بالقياسات والمواصفات والمعدلات المقبولة دوليا . ولا شك أن أوروبا الجديدة باعتبار أنها أكبر سوق موحدة فى العالم ستكون فرصة ذهبية لغزوها والمكوث فيها بالتطوير المستمر للمنتج بما يناسب اشتراطات ومتطلبات هذا السوق الواعد . وليس هناك من أمل فى التطور والإصلاح الإقتصادى دون التركيز على هذه السوق الواعدة فى الشمال .

 

البيئـــــة: إن الحفاظ على البحر المتوسط من التلوث الحالى له من المدن الواقعة عليه,  وكذلك وخطوط النقل البحرى المارة به لآمر ضروري وعاجل خاصة أن إعلان واتفاقية برشلونة لم يتم الالتزام بها بأمانة لعدم وجود آلية وضوابط للتنفيذ والتجريم والعقاب .إن البحر المتوسط بحيرة مغلقة وتلوثها يعود بالضرر على سكان الدول المتحلقة حوله . ومن الواجب العمل مع أوروبا الجديدة من خلال التجمع الاورومتوسطى لتفعيل تنفيذ الاتفاقيات مع الالتزام باتفاقية كيوتو وأجندا 21 لمؤتمرات قمة الأرض فى ريو وجوهانسبرج.

 

الحفاظ على الشواطئ من النحر : نظرا لتفاقم ظاهرة الاحتباس الحرارى التى تؤدى إلى ارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط بما يعادل 3 مليمتر سنويا من المنتظر أن ترتفع إلى 7 مليمترات بعد عدة عقود، فإنه من المحتمل أن يؤدى ذلك إلى غرق بعض الشواطئ والسواحل والمدن الواقعة حول المتوسط مع تزايد نحر الشواطئ ، ومن الضرورى التعاون مع الاتحاد الأوروبى ودول المتوسط لمواجهة هذا الخطر المحدق .بكافة المدن الواقعة حوله .

 

التنمية الحضارية والثقافية : تربط دول المتوسط قواسم مشتركة من التواصل والتفاهم والتعاون الحضارى والثقافى والعمراني والمعماري والفني ومن المهم الاستفادة من مد الجسور للترابط بين الثقافات والحضارات الواقعة حول البحر القديم ذو الحضارات التاريخية الرائدة التى بنى عليها عالمنا المعاصر حضارتة وانجازاتة . إن هذا الوعاء الحضارى الشامل لمنابع الحضارة التاريخية، ومصر تتباهى بأقدم حضاراته، سيطلق أفاقا جديدة للتعاون والتبادل والتلاقي وتحقيق نهضة فى المجالات الاجتماعية و الإنسانية و الثقافية والعمرانية والمعمارية والفنية وسيكون هذا أيضا مجالا خصبا للتفاعل بين مؤسسات ومنظمات وتجمعات المجتمع المدني ومشاركة المرأة والشباب فى تفعيل وإثراء هذه الصحوة الحضارية الشاملة .

 

التقدم العلمي والتكنولوجي وثورة المعلومات والاتصالات :  رغم أن أمريكا تتزعم انطلاقة التقدم التكنولوجي وثورة المعلومات والاتصالات إلا أن دول الاتحاد الأوروبى حققت إنجازات مثيرة فى هذا المجال وفى مجال الصناعة والزراعة والتنوع الحيوى وعلوم الجينات والاكتشافات والتطبيقات الخاصة بالجينوم و الطب وعلوم الفضاء والمواصلات والاتصالات . ومن الواجب تبادل الخبرات والامكانات والاستفادة من هذا التطور المذهل وأن نبدأ من حيث أنتهي الآخرون فى كافة المجالات التقنية والفنية ونقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر وتطوير المؤسسات والبرامج والأطر والآليات وهى كلها منظومة متكاملة وحزم متشابكة من الملموسات واللا ملموسات   .

 

الإصلاح المؤسسي ومشاركة المجتمع المدني :   فى خلال عشر سنوات تحول النظام فى الدول الأعضاء العشر الجديدة المنضمة إلى الاتحاد الأوروبى من النظام الشمولي إلى النظام الديمقراطى والانفتاح للقطاع الخاص وحرية التجارة وتطبيق اقتصاديات  السوق والخصخصة. ولقد تم إصلاح وتغيير شامل دستوري و سياسى  وتشريعي و أقتصادى  وقانوني وادارى فى كافة المجالات وإتاحة مشاركة فعالة ومؤثرة لجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني كمساهم وكرقيب و كمسؤول و مشارك لأجهزة الدولة لخدمة جميع فئات المجتمع  ولتنمية و تطوير الوطن والسهر على أمنه ومستقبلة . وهناك تجارب رائدة ودروس مستفادة من هذا الإصلاح والتحول السريع سواء فى دول شرق أو غرب الاتحاد الأوروبي , من ضرورى أن نتعلم منها ونستعير الملائم منها للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعى والتعليمي والثقافى فى مصر والمنطقة.

 

       إن التعاون المثمر والتواجد الفعال الثئائى والجماعي مع دول أوروبا الجديدة لا بديل عنه ذلك أن الأفاق واعدة,  والآمال معقودة,  والأهداف عظام والمهام جسام, ولا بد من عزم الأمور, ومد الجسور,واللحاق بموکب النور.

 

5/5/2004                                                              دكتور/محسن زهران

أستاذ التخطيط – جامعة الإسكندرية