 |
يستند
الوجود العمراني والكيان الحضري إلي مجموعات متكاملة
من الأنظمة والأطر البيئية والحضارية والاجتماعية
والاقتصادية والثقافية التي تحكم وتوجه الاستقرار
البشري والكيان الاجتماعي والرؤي الانسانية, وتخدم
هذه المنظومة المتناسفة شبكات متنوعة من البنية
الأساسية التحتية والفوقية, ووسائل وامكانات
وطاقات مختلفة تعينها علي الوجود والفاعلية
والاستمرار والتطور. * نشاهد المنطلقات
الأساسية والركائز الجوهرية للكيان العمراني والوجود
الحضري وقد تألقت وازدهرت, ونمت وارتقت في مدن
العالم المتقدم والمتحضر شرقا أو غربا, وكذلك في
بعض بلدان العالم النامي في آسيا أو أمريكا
اللاتينية أو أفريقيا وحديثا في بعض دول
الخليج.
وعلي النقيض فان المرء يتحسر علي
الواقع المرير والموقف الحضاري الخطير والأوضاع
الحضرية المتردية في معظم مدن العالم النامي, التي
غابت عنها, أو تقلصت فيها, منظومة هذه الأطر
والمنطلقات لاسباب كثيرة, برغم أن بعضها يتباهي
بتراثها الحضاري العتيد, وتفخر بتاريخها التليد,
وتفاخر بإنجازات الاجداد التي تنكر لها الأحفاد(
؟!) سواء المعمارية أو العمرانية او الاجتماعية أو
الثقافية أو الروحانية أو الاخلاقية, ويتمثل هذا
الموقف الصعب والوضع المتردي في أحوال العمران في
مصر, خاصة في المدن التاريخية مثل القاهرة الكبري
أو الاسكندرية الكبري ذلك ان الاصرار علي التحدي
المستمر, والتغاضي المتعمد لمنظومة الاطر الحضارية
والنظم العمرانية المتكاملة, مع غياب أو إهمال أو
التأخير في اعتماد والتنفيذ بأمانة لمخططات مستقبلية
هادفة ومتكاملة لهذه المدن, سواء قصيرة أو متوسطة
أو بعيدة المدي, قد أدي إلي استمرار تفاقم وتداعي
الموقف الحضري واستفحال أزمة العمران الخطيرة,
وانتشار التحلل المدني المحذر والكيان الحضاري
المنذر!
ويشاهد المراقب المحايد بأسي ويأس
هذه الظواهر المنتشرة والدلالات البليغة لهذا التردي
في أي مكان وكل مكان في النسيج العمراني
الاخطبوطي, والنمو العشوائي المنفلت, الذي انتشر
كالسرطان في جميع الارجاء وأغلب الاحياء خاصة
القديمة منها أو في مراكز المدن, وعلي طول محاور
العمران وعلي الاطراف والهوامش ـ ملتهما الاراضي
الزراعية المحدودة والغنية والتي يصعب إيجاد البديل
عنها, وتظهر لنا بجلاء فوضي العمران شكلا وموضوعا
وأفقيا ورأسيا وكما نوعا التي تكشفها الأزمات
الخطيرة للأعراض والامراض العمرانية المتفشية والعلل
الحضارية المستفحلة.
ان التحديات المتعاظمة
للموقف العمراني, التي ألمحنا اليها بإيجاز قد
ساهمت في انفصام السكان عن المكان وعللت اللاانتماء
وضاعفت من الشكوي من ضياع الأمل وغياب الولاء! ان
لها الكثير من المظاهر ولها العديد من الدلالات
المحيرة, الموضحة فيما بعد التي تسأل و تسائل
بإلحاح, كيف سمحنا للموقف بأن ينزلق إلي هذا القاع
العميق أو ان تتدهور الاحوال الحضارية لهذا المستوي
السحيق.
ان هذه المظاهر المتردية للتحدي
العمراني والمجابهة الحضرية قد نتجت عن العديد من
اسباب وسلوكيات التسيب وعدم الانضباط والإهمال
والفوضي والإدارة اللامسئولة والفساد والرشوة,
يواكبها تدني الدخول وتضاعف عدد السكان وتقاعس
الجهات المسئولة عن تحمل مسئولياتها واداء واجباتها
المناطة بها قانونا زمانا ومكانا, وهكذا أسهمت هذه
العوامل والمسببات في تضاعف المشكلة وتأزم الموقف ان
المشكلة لم تنجم عن قصور مخل أو نقص مشل في اللوائح
أو القوانين أو الضوابط, وهي كثيرة, وبالتأكيد
وفيرة ومعروفة للجميع, إنما تسبب فيها الاهمال
وسوء الادارة وعدم الكفاءة والتواكل واللامسئولية
واللامساءلة(!!) خاصة في القطاع الحكومي والعام
والخاص, بقدر ما أسهم فيها وحفزها سلوك وأداء كل
من الجماعات والافراد, ولقد ضاعف من أسباب الأزمة
وتصاعد التحديات عوامل عدة, منها قصور نظام
وسيرورة التعليم وعجز وتقاعس أجهزة ووسائل الاعلام
وغياب التربية الاجتماعية والاسرية السوية, والتي
ساعدت بصورة مباشرة أو غير مباشرة علي تبدد روح
المواطنة, وضياع الانتماء والولاء وهجر الانتظام
منذ الطفولة وحتي الكهولة, فالكل مسئول والكل
مساءل عن اسباب ونواتج وتوابع التدهور والتدني,
والتحلل والانحلال, وبالتواكب مع هذا فان التحديات
تتعاضم في ضوء عدم اعمال القوانين وتفعيل اللوائح
وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب علي
الجميع.
ومن حيث ان الأمر كذلك, فان
الواجب يقضي بتأكيد أهمية اعتماد رؤي وأهداف سياسات
قومية جريئة هادفة, ولا مناص من تبني واعتماد مخطط
تنموي استراتيجي طموح علي مستوي الوطن من أجل اعادة
توزيع السكان, بالتوازي مع تخطيط وانشاء التجمعات
التنموية والحضرية شرقا وغربا وشمالا وجنوبا علي
كامل أرض الوطن, في منظومة متكاملة من الانوية
العمرانية الخلاقة والفريدة, والمحاور التنموية
المبدعة, بعيدا عن المحور التقليدي للوادي والدلتا
من أجل اعادة توزيع الاعداد المتزايدة للسكان(100
مليون نسمة في عام2020 و150 مليونا بحلول
عام2050) فوق جميع أرجاء أرض مصر, ان انشاء مدن
جديدة تابعة حول المدن الكبري أو بالقرب من المراكز
الحضرية الحالية, سيزيد المشكلة تعقيدا, وسيضاعف
من الاحمال والاعباء كما هو الحال في القاهرة
الكبري, ولن يعين في حشد وتعبئة القوي والامكانات
والموارد القومية من أجل مواجهة تحديات أزمة العمران
والتطور الحضري جذريا وبشكل متكامل, لقد أثبت
التاريخ ان الارض الفضاء غير المعمورة تصبح مصدرا
لجذب وتحقيق مطامع ومطامح الآخرين!
ان
المخططات التنموية والعمرانية الجديدة لابد ان تكون
مبتكرة وواعدة, وجاذبة ومبدعة, تهتم باستقرار
الانسان وتحقيق طموحاته وتلبية آماله وتهتم بتشجيع
عجلة التقدم والتطور والارتقاء وتحفيز الولاء
للاوطان في اطار منظومة عمرانية وبيئية متكاملة,
محققة لمختلف الاهداف والغايات ومفعلة لمتطلبات
التنمية المستديمة لقد حان الوقت ان ننجز بحزم وان
نعمل بحسم من اجل تفعيل وتحقيق التغيير المطلوب
والتطوير المرتجي قبل فوات الأوان, ان الآفاق
واعدة والإرادة صامدة والملايين متزايدة والطموحات
متصاعدة والامكانات والموارد متجددة, ومستقبل
الاجيال أمانة والوطن
ينادي. |