 |
صدمتنا
أخيرا كارثة الانهيار المفاجيء لجسر فوق نهر الميسيسبي في منيا بوليس
بالولايات المتحدة الامريكية خلال ساعة الذروة لحركة المرور, مما ادي
الي وفاة العشرات وفقد المئات في سياراتهم التي جرفتها مياه النهر
المتدفقة, مع تدمير وسحق مئات السيارات والمركبات. وهذا هو الانهيار
الثاني هذا العام وسبقه انهيار وتصدع العديد من الجسور. وقد افادت
الوكالات الفيدرالية المتخصصة ان بين600,000 جسر وكوبري علوي في
الولايات المتحدة, يوجد حوالي150,000(25%) تعتبر جسور غير آمنة,
وانتهي عمرها الافتراضي المقدر بين25 و50 سنة.
ولقد استفزني
نبأ الكارثة العظيم في منيا بوليس, واستعذت بالله ان تصيبنا كوارث
مماثلة في العديد من الكباري والجسور المقامة علي نهر النيل منذ اكثر من
مائة عام, وكما هو الحال في معظم المرافق في مصر, كالسكك الحديدية,
وكالعبارات في مجال النقل البحري, وغيرها من المرافق, فإنه لم تشملها
خطط الاصلاح او التطوير او التأهيل او الإحلال لعقود طويلة رغم انقضاء
عمرها الافتراضي منذ عشرات السنين, وذلك لقصور الموارد وقلة الامكانات
وسوء الإدارة والفساد.
وفوجئنا بعد حادث القطار في قليوب منذ عام
بان المرفق يحتاج الي عشرة مليارات من الجنيهات لإصلاحه, ولا توجد به
جرارات كافية او إشارات كفئة او انظمة آمنة. وأغلب الظن فإن صيانة السكك
والإشارات والكباري والجسور هي ايضا لم تنلها يد الصيانة او التطوير,
ومعرضة كذلك لوقوع الكوارث, لاقدر الله!! ولا داعي للإشارة الي ان
الجسور والكباري في مصر, والتابعة لوزارات النقل والمواصلات او التعمير
او الري او المحليات, معرضة ايضا لنفس الظروف والمخاطر والتهديدات
والكوارث, لا سمح الله.
وسيطر علي أذهان ورؤي وخطط أصحاب
القرار واصحاب المال, سواء بسواء, ثقافة اصبحت مسيطرة علي فكرة الجميع
في مصر, وهي ان معظم اعتمادات الاستثمار توجه من اجل تشييد المنشآت
المختلفة ايا كانت وظائفها, ولا يوجد هناك فكر واعد ورؤي ثاقبة من أجل
الاستثمار في صيانتها وإدارتها وتشغيلها وتطويرها, وكأنها الأهرامات
والمعابد التي عاشت ودامت آلاف السنين!, وهو فكر سقيم وتوجه عليل,
لسبب بديهي وهو تغير الوظائف والمناخ والبيئة والاستخدام والتقنيات والأطر
الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية, وغيرها.. وطالما نبهنا
الي ضرورة اتخاذ الاحتياطات والاستعدادات والتدابير من أجل مواجهة الكوارث
والتغلب علي المصاعب والازمات والطواريء, خاصة بعد زلزال16
اكتوبر1992( تقع مصر في المنطقة الثالثة زلازل!) وما أعقبة من توابع
بدليل أنه لم تتم مواجهة كارثة العبارة في العام الماضي وظهر البطء المخجل
في إنقاذ أكثر من1200 من ركابها الغرقي. إن نفس الثقافة مازالت مسيطرة
علي الأذهان, ولم نتعلم أية دروس من تلك الكوارث ؟؟!! ونسأل الله
اللطف في المقادير إن كارثة انهيار جسر منيا بوليس تدق جرس الخطر وتهز
ضمير الأمة الي ضرورة ال انتباه إلي مواجهة الكثير من المحاذير
والتحديات والمخاطر الواجب التنبيه إليها ودراستها وتقييمها واعداد الخطط
وتدبير الاحتياطات وإتمام الدراسات الفنية اللازمة وتوفير الاعتمادات
اللازمة لمواجهتها ودرء مخاطرها. ويشمل ذلك الأبعاد والقطاعات الآتية:
ـ
1) علي مستوي الجسور والكباري: كباري السكك الحديدية,
الكباري فوق النيل والترع والرياحات والمصارف الرئيسية والفرعية, وكذلك
القناطر والخزانات والجسور علي طول نهر النيل وفروعه. وهذه الجسور
والكباري تتبع عدة وزارات وهيئات قومية تعمل بشكل قطاعي رأسي ولا يوجد
بينها تنسيق أفقي ولها موازنات مستقلة حسب خطط التنمية الخمسية.
2)
علي مستوي شبكات الطرق وأنظمة النقل: إنشاء وصيانة وإحلال شبكات الطرق
وأنظمة النقل القومية والمحافظية والمحلية سواء كانت برية أو بحرية أو
نهرية أو جوية. إن سوء حالة وإدارة وتشغيل الشبكات يعد إهدارا للدخل
القومي من استهلاك زائد للطاقة وقيمة إصلاح قطع غيار المركبات, ناهيك عن
الحوادث والإهلاك, وإزهاق الأرواح وضياع المال والجهد والوقت.
3) علي مستوي شبكات المرافق الأخري.. ويشمل ذلك:
أ
ـ محطات وشبكات التغذية بالمياه:( ألم تضج الملايين من الشكوي من عدم
وجود أو انقطاع المياه أو سوء حالة مياه الشرب) إن هذا المرفق الحيوي
يعاني سوء الأحوال, وبرغم التصريحات بأن شبكات المياه تخدم95% من
المساكن, فإن الأمر الواقع مغاير للتصريحات والاحصاءات, ويحتاج هذا
المرفق الي المليارات من أجل إصلاحه وتطويره بما يناسب الزيادة السكانية
المطردة بنسبة1,8% سنويا.
ب ـ محطات وشبكات الصرف الصحي: ان
حالتها أيضا سيئة ولاتخدم جميع المناطق العمرانية ومازالت هناك مدن وقري
كثيرة محرومة, ومازال هناك صرف صحي وصناعي يصب في المجاري المائية,
علي نهر النيل وعلي الترع والمصارف مهددا صحة السكان ومسببا تدهور الأحوال
البيئية, ويحتاج هذا المرفق الحيوي إلي عشرات المليارات من الاستثمارات
الضرورية. (4) إن كثيرا من المباني والمنشآت والجسور والكباري
والطرق تم إنشاؤها بعد حرب أكتوبر مع بدء مرحلة الانفتاح الاقتصادي. وتم
تشييد الكثير من المشروعات والجسور والكباري والمصانع والتجهيزات
المستوردة ذات المواصفات غير المقبولة أو بعد انتهاء عمرها الافتراضي.
ويشهد علي ذلك كثير من المصانع في المدن الجديدة والجسور والكباري
والمنشآت المختلفة المستوردة, خاصة من دول أوروبا الشرقية, في ظل غياب
الرقابة والتفتيش والمتابعة والشفافية واختفاء شروط الجودة وانتشار الفساد
والرشوة, واعتماد الشهادات المزيفة. إن الكثير من هذه المصانع أو
الماكينات أو الجسور أو المواد انتهي عمرها الافتراضي وانتهت فترات الضمان
والأمان وهي معرضة للكوارث المهددة لحياة الإنسان ولاستمرار الكيان ولأمان
المكان؟!
إن الواجب يقضي بتشكيل لجان أمينة لمراجعة الموقف
مراجعة فنية شاملة والتفتيش علي كل هذه المنشآت والتجهيزات والماكينات
والجسور والكباري والأنظمة وغيرها, ومن الضروري اعتماد الخطط المحكمة
ذات الشفافية العالية والتقنيات الحاكمة للإصلاح والترميم والحلال
والمساءلة دونما انتظار لوقوع الكوارث وحلول المصاعب, لاقدر الله. |