Papers:

بسم الله الرحمن الرحيم

المعرفة الذكية والتنمية الغنية


د/ محسن زهران
أستاذ التخطيط بجامعة الإسكندرية

 

ان التعليم الهادف والمؤثر يتعامل مع الأنسان ، كل الإنسان ,ذهنيا وفكريا ومعنويا وجسديا, ليشحذ ملكاته, ويفجر ابداعاته, ويطلق طاقاته, ويضاعف امكاناته, ويرهف احسساته, ويرتقى بوجدانه وطموحاته .والأهتمام بالتطوير المستمر للتعليم هو ركيزة التوجهات القومية للتنمية الأنسانية الشاملة فى المجتمعات المتقدمة من اليابان شرقا الى أمريكا غربا . واستهدفت عملية تطوير التعليم النوع والكيف, والشكل والمضمون, من أجل خدمة اهداف الإنماء والتقدم الشاملة والمتكاملة. ولقد تغيرت وتطورت الأهداف والتوجهات من الاهتمام فى حقبة الاقتصاد الصناعى خلال القرنين الماضيين بالتنمية والتقدم لتحقيق التعامل والتفاعل المنتج بين الانسان وموارد المكان ، الى الاقتصاد التكنوترونك, والمسمى أيضا بالمعلوماتى أو الخدمى (Cyber economy) , فى العصر الحاضر والمستند الى التفاعل والتعامل بين المجتمعات الانسانية بعد زوال حدود الزمان والمكان وثورة المعلومات والاتصالات والمواصلات، مع ظهور قضايا وتحديات غير مسبوقة تؤثر فى الانسانية جمعاء, مثل الطاقة والبيئة والفقر واختلال الموازين وقصورتوزيع الدخول ونقص الموارد الطبيعية والاقتصادية والاستغلال والاحتلال والأطماع والحاجة والجوع والأوبئة وظهور الهيمنة الجديدة وغيرها ، وغيرها .... واشتعلت المنافسات واحتدمت المقارنات وتضاربت الصراعات وتشابكت المصالح داخل المجتمعات المتقدمة وبينها وبين المجتمعات الفقيرة والنامية, التى تعانى كذلك وتقاسى من صراعاتها وحروبها وازماتها المدمرة والقاسية من فقر ومرض وجوع واستغلال واستبداد وضياع . واصبح المجتمع الدولى فى عصر العولمة منقسم الى فريقين مجتمع الشمال الغنى وله نادى مجموعة الثمان للدول المتقدمة, ومجتمع الجنوب وله ناديه فى مجموعة 77 والصين ( الآن 135) للدول النامية والفقيرة بالإضافة الى المجموعة 15 . والهوة واسعة وسحيقة, والمفارقات كثيرة وعميقة ، فمثلا فإن ثروة أكثر 10 افراد غناً فى العالم تعادل الدخل القومى لخمسين من الدول الفقيرة يسكنها ربع سكان العالم ، وتكفى لتوفير جميع احتياجاتهم الأساسية .

ولقد اثبتت الدراسات العلمية ان التعليم والمعرفة الذكية هى من أسس تحقيق التقدم, وانها تسهم باستمرار فى ازدياد معدلات ومؤشرات ذكاء السكان (IQ) وفاعلية وكفاءة القوى العاملة فى المجتمعات المتقدمة ، الأمر الذى تفتقر اليه المجتمعات النامية والفقيرة . ولقد اكدت دراسة مقارنة على بعض المجتمعات المتقدمة خلال الثلث الأخير من القرن الماضى, وشملت كل من انجلترا وأمريكا وكندا والنرويج وهولندا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا واستراليا واليابان, ان الزيادة السنوية فى الدخل القومى ومعدل التقدم الاقتصادى قد صاحبها بالتوازى زيادة مكافئة فى مؤشرات ومعدلات الكفاءة والفاعلية فى مؤشرات التعليم والمعرفة الذكية . وقد اظهرت الدراسة اعلى المعدلات فى الذكاء (IQ) المصاحب لارتفاع الدخل القومى فى اليابان ثم المانيا وفرنسا وبلجيكا والنرويج وأمريكا وانجلترا ، وبرهنت ان المعرفة الذكية لاتنتمى الى أرض أو مجتمع أو ثقافة محددة ، بل ان عصر العولمة شجع انتشار الشركات العالمية المتعددة الجنسيات بعيدا عن الحدود مستفيدة من تدنى الأجور, الا أنها تحافظ على نفس مستوى الانتاج والجودة العالية فى مختلف القارات سواء فى مجال الصناعة ( السيارات/ الالكترونيات / الأجهزة .. )أو الاقتصاد ( الإدارة / التأمين /البنوك/ .. ) أو الخدمات أو المطاعم أو المشروبات أو السياحة أو حتى صناعة التعليم (!), مع الالتزام بالمعدلات والقياسات والمواصفات والانتاجية والاداء والفاعلية والجودة فى كل موقع وكل مكان. وأصبحت مواقع الانتاج للشركات العالمية فى الغالب جزر منعزلة فى بيئتها فى الدول المختلفة دون ان تقود او تؤثر فى مستوى أو جودة الصناعة أو الخدمات المحلية( شرم الشيخ والغردقة ، دبى فى الإمارات ، شنغهاى وهونج كونج فى الصين ، وغيرها .. )

ان المؤشرات واضحة والدلالات فاضحة والأدلة دامغة ، فالدول الفقيرة تزداد فقرا بسبب غياب منظومة التعليم الفعال والمعرفة الذكية عن اهداف وسياسات وبرامج التنمية الشاملة, ذلك ان قطاعات الخطة والموازنة النوعية منفصلة رأسيا بجدران عازلة من حيث الاستثمارات والبرامج والسياسات والخطط والمشروعات ولاتوجد تفاعلات وتعاملات بينية أفقية على كافة المستويات! ورغم مجانية التعليم فى مصر, ينفق أولياء الأمور عشرات المليارات على الدروس الخصوصية من الحضانة حتى الجامعة اهتماما فقط, ليس بزيادة معدلات ذكاء أبنائهم واثراء معرفتهم, وانما بتلقينهم وتدريبهم على كيفية جمع أعلى الدرجات فى الامتحانات وإعداد الملخصات , مما يسهم فى تقليص الذكاء وكبح الملكات. والنتيجة المريرة والصدمة الكبيرة هى أضافة مليون فرد سنويا الى سوق العمل من غير المتعلمين والغير مؤهلين وغيرالقادرين بلا أمل فى عمل! . كيف اذن يتم الإعمار والإنماء والتقدم والبناء ؟ لقد أظهرت الدراسة الصينية مؤخرا للجامعات حول العالم تحديد أفضل 500 جامعة, منها 170 فى أمريكا والباقى فى أوروبا, وفى 6 دول فى آسيا (منها اسرائيل), وجنوب أفريقيا فقط فى أفريقيا, ولايوجد منها جامعة واحدة فى مصر أو العالم العربى!

ان مصر على عتبة مرحلة اصلاح وتغيير شامل تاريخية فى كافة المجالات تتطلب تعديلا جوهريا فى البنى السياسية والتشريعية والأقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية. ولقد آن الأوان ان نصحو ولا نغفو ، وان نهب وأن نجد زودا عن مكانتنا ومكاننا, وحفاظا على قيمتنا وقامتنا ، وقد كنا رواد ورسل النهضة والتقدم فى البلاد العربية خلال النصف قرن الماضى. ويقتضى الامر أن نتعلم من أخطائنا ونقتدى بتجارب غيرنا مثل اليابان وماليزيا وسنغافورة وأمريكا وألمانيا فى التطوير والارتقاء النوعى والكيفى فى التعليم وفى المعرفة الذكية ، ومواجهة المشاكل السكانية والاجتماعية بجرأة وشجاعة وحرية وشفافية, مما سيؤدى مآلا الى المعرفة الذكية القادرة على انجاز وانفاذ التنمية الإنسانية الغنية .

 

20/6/2005 د / محسن زهران
أستاذ التخطيط العمراني بجامعة الإسكندرية

Back

 

   © 2003 Prof. Dr. Mohsen Zahran, All Rights Reserved. Site by: Pylon Group