Papers:

بسم الله الرحمن الرحيم

الإسكندرية

الاسكندرية : المدينة والمكتبة


د/ محسن زهران
أستاذ التخطيط بجامعة الإسكندرية

أسس الأسكندر الأكبر مدينة الأاسكندرية لتكون عروس المدائن, وحاضرة الحضارات, ومنارة الاشراقات فى 332 ق.م ، وكلف دينوقراطيس بإعداد تخطيطها الشريطى لتكون رائدة فى شكلها ونسيجها وأنشطتها ودورها الحضارى على مدى العصور ، مثلا بلا مثيل, ومثالا بلا بديل, لنفاخر بها الزمان لريادتها ولكونها من أقدم المدن المخططة العامرة فى العالم .

ولم يكن قرار بطليموس الأول- الذى توج ملكا فى 304ق.م., وكان كالأسكندر تلميذا لأرسطو- أنشاء مكتبة الاسكندرية القديمة فى القرن الثالث ق.م فى الحى الملكى الا اعمالا لرؤي الاسكندر-الذى مات فى323 ق.م., وتنفيذا لخططه وطموحاته, وآماله وأحلامه ، وكان تعيينه لديمتريوس الفاليرى مديرا للمكتبة لكى يعمل على اثرائها واعلاء شأنها ، فأمها الفلاسفة والعلماء وزودها بالبرديات والمراجع من كل مكان(700000) حتى اصبحت قبلة عالمية للعلماء ومحرابا جامعا للباحثين من كل مكان ومن كل الأجناس والآلوان . وتألقت بهم المكتبة العالمية كجامعة بالمعنى الحقيقى, يتبادلون فيها الرأى ويتحاورون فيها بالفكر الخلاق المبدع وينجزون التجارب والأبحاث الرائدة . وصدرت عن علماء المكتبة أعمال واكتشافات ونظريات فريدة فى مختلف المجالات الفلسفية والأدبية والفكرية والرياضية والهندسية وفى الطب والصيدلة والفلك والجغرافيا والعلوم الطبيعية وغيرها. لقد كانت نبراسا للعلماء فى كل مكان, ومنارة أسطع ضياءا وألمع اشعاعا من منارة الاسكندرية القديمة, أحدى عجائب الدنيا السبع ، ذلك ان عطاءها الفكرى والعلمى والإبداعى أنار ارجاء العالم كافة منذئذ وحتى الآن* ، رغم حريقها الأول فى عام48 ق.م. واندثارها خلال غزو الرومان بقيادة يوليوس قيصر,والثانى خلال عهد الأمبراطور ثيودوسياس عام391. ولا شك ان مكتبة الاسكندرية وازدهارها على مدى سبعة قرون قد تسبب فى انتشار العمران وتألق المدينة حتى أصبحت عروسا للحضارة لا تبارى, ومنارة للعلم ودارا ، ومركزا للتفاعل والتبادل والتواصل لا تجارى . ولعبقرية مكانها, ولعظمة مكانتها, تألقت الأسكندرية المعتزة الأبية, عاصمة لمصرالخالدة البهية, طوال عدة قرون!

واقترن كيان ومستقبل المدينة والمكتبة منذ البداية,صعودا أو هبوطا, اشراقا أو أفولا! ولنمعن النظر فيما أرتقت اليه المكتبة وحققته, ولننعم بإنجازات الرخاء من حولها, فقد أدت الانشطة الفكرية والتألق العلمى والحرية الفردية الى الامتداد العمرانى والنشاط التجارى والحضارى وجذب فئات من المجتمعات المختلفة حول البحر المتوسط للأستقرار فى المدينة والانصهار فى بوتقتها ، رغم اختلاف العقائد والأهتمامات, والثقافات والطموحات, لكى تتبلور الهوية السكندرية المتفردة, والمواطنة السكندرية المتميزة ، الأمر الذى استمر اثره وتأثيره على كل سكان المدينة, وعلى غيرها, على مر الأيام ومضى العصور. ونهضت الأسكندرية المدينة مرة أخرى فى عهد أسرة محمد على الكبير وصارت قطبا محوريا, سياسيا وثقافيا, وتجاريا وصناعيا, وفنيا وسياحيا, منذ بداية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين!! ولم أعجب عند سماعى فى عام 1999, حينما كنت مديرا للمكتبه, أحد المساهمين اليونانيين فى دعم مكتبة الاسكندرية الجديدة مرددا ومصرا على وصف نفسه أولا بالسكندرى !، وكان قد نشأ وترعرع فى خير الاسكندرية قبل فراقها ابان التأميم فى الستينيات .

لقد كان قرار مصر انشاء جامعة فاروق الأول بالاسكندرية فى عام1942(جامعة الاسكندرية بعد الثورة), استمرارا لرؤية الاسكندر الأكبر واحياءا لدور مكتبة الاسكندرية كجامعة للعلماء وقبلة للباحثين ومنطلقا للإبداع الفكرى والثقافى, والبحث العلمى فى المعارف المختلفة . ولم يكن الأمر خافيا عن الكافة ، بل أن الدكتور / طه حسين باشا ، أول مدير للجامعة ، قد أكد هذا الدور والرؤية فى خطابه عند التأسيس عام1942 ، وكانت الحرب العالمية الثانية مشتعلة والقوات البريطانية تتمركز فى المدينة لمواجهة الجيوش الألمانية فى العلمين. ورغم ذلك لم تنشغل مصر بالحرب وأوزارها وتحدياتها, بل اهتمت بالبناء وانشاء الجامعة الجديدة احياءا لدور المكتبة القديمة ، الأمر الذى سجلته الميدالية الذهبية التى تم صكها فى عام 1943 بمناسبة الافتتاح ، وعلى وجهها برزت راس الأسكندر الأكبر ورأس الملك فاروق متداخلتين ، وعلى الوجه الاخر نقش:"الأسكندر الأكبر مؤسسها وفاروق الأول مليكها". وهذه الميدالية معروضه حاليا بمتحف الاسكندرية القومى!

ان تبنى جامعة الاسكندرية فكرة احياء المكتبة الجديدة كان من أجل استكمال الدور العلمى والحضارى والتاريخى لها ، ولم يكن قرار الرئيس مبارك بدعوة العالم خلال اجتماع اسوان التاريخى فى 12/2/ 1990 من اجل الإسهام فى انشاء مكتبة الاسكندرية بالتعاون مع المجتمع الدولى واليونسكو ، برغم المشاكل والمصاعب الاقتصادية الا تأكيدا لما جاء فى كلمته فى الاجتماع " ليس بالخبز وحده يحيى الانسان " ، واستمرارا لهذا التواصل الحضارى والتكامل العلمى, واستطرادا للتفاعل الحوارى, والتواصل الثقافى, والتنوير العالمى . فمكتبة الاسكندرية الجامعة هى الملهم والواعد, والمحرك والقائد, والمحفز والرائد, والحاضن الشامل لكافة الأنشطة الفكرية والعلمية والبحثية ، وهى بوتقة لصهر الامكانات, ومزج الاختلافات, ومنتدى لحوار الثقافات, وساحة لتبادل الأراء, وجمع القدرات, وشحن الطاقات واطلاق العطاء الخلاق,وقاعدة لنشر الفكر المبدع وبث الاشعاع التنويرى, من اجل خدمة الانسان فى كل مكان ومجال ,حالا ومآلا . وكما اطلقت وأفرزت واثرت مكتبة الاسكندرية روح الابداع والانتاج والعمران والانماء والتطور والازدهار فى الاسكندرية منذ البداية، كان مشروع احياء مكتبة الاسكندرية وانشاؤها, ورعاية السيدة سوزان مبارك المستمرة لها حتى اكتملت ثم افتتاحها فى أكتوبر2002, محفزا ودافعا, ومحركا ورائدا للازدهار وانطلاق الاسكندرية الكبرى فى القرن 21 . وخير شاهد على هذا الأنماء المتألق هوالتخطيط الشامل لمدينة الاسكندرية 2005, الذى بلغ الآن سنة الهدف بعد تنفيذ أربعة خطط خمسية, ويتواصل حاليا فى تخطيط 2017 وفى التخطيط الهيكلى 2050. فقد كان انشاء المكتبة قاطرة لانطلاقات التحديث والتحضر, والتنمية والتطور , وذلك لرفعة الأسكندرية الجديدة, شكلا ونسيجا, وأنظمة وطرقا, وأنشطة وأنوية فى كافة المجالات . وبينما تم صرف 10مليارات على استثمارات الخطط التنموية 1985-1997 ,فقد تم صرف22مليارا خلال الخطط 1997-2005 أثناء وبعد انشاء المكتبة, لكى تصل جملة الاستثمارات العامة والخاصة الى 32 مليار جنيه طوال20 عاما ( بدلا من 16 مليار وفق تقديرات التخطيط فى 1984), وبمعدل استثمار حوالى 8400 جنيه للفرد خلال تلك الفترة. وهذا يبرهن على أن انشاء المكتبة قد انعكس أثره على المدينة بمضاعفة الاستثمارات وتحقيق التنمية الانسانية والعمرانية فى ارجاء المدينة الكبرى. ومن هنا فإن فى الاسكندرية، المكتبة والمدينة وجهان لعملة واحدة لا يتألق وجه دون الآخر, ولايشع ضياء جهة دون أن تنير الأخرى, فهى مهد لرفاهية الأنسان ومنارة الحضارات والأزمان. *(راجع كتاب روى ماكلويد "مكتبة الأسكندرية",الصادر عن مطبعة الجامعة الأمريكية بالقاهرة, عام2002).

 

  د / محسن زهران
أستاذ التخطيط العمراني بجامعة الإسكندرية

Back

 

   © 2003 Prof. Dr. Mohsen Zahran, All Rights Reserved. Site by: Pylon Group