بسم الله الرحمن الرحيم
الإسكندرية
للحضارة علامة وهامة,قيمة وقامة
د/ محسن زهران
أستاذ التخطيط بجامعة الإسكندرية
لقد أسعفتني ذاكرتي بدراسات وكتب موسوعية ومراجع عالمية للدارسين والمهتمين بالحضارة الإنسانية والعمران والمدن كوعاء محفز ومعجز لتحضر ومدنية الإنسان ، مثل تلك التي أعدها العالم الكبير لويس ممفورد Mumford Lewis عن المدينة عبر التاريخ
( The City in History ) وخطر لي أن تكون هذه الدراسة الكاشفة عن بعض أسرار تاريخ الإسكندرية بعنوان التاريخ فى المدينة ( History in the city ) استلهاما من العمل الموسوعي لممفورد ! ولم لا وقد اصدر إليل سارينين Eliel Saarinen) ) منذ حوالي القرن كتابه الشهير عن المدينة The City ) ) والذي أشار فيه الي أن المدينة كتاب مفتوح ومرآه صادقة تعكس مدي ثقافة وحضارة وتقدم مجتمعاتها وسكانها فقال : " أرني مدينتك وسأدلك على الأهداف الاجتماعية والثقافية والحضارية لسكانها.
والإسكندرية مدينة الحضارات يتحدث نسيجها حكايات وتروي أحياؤها روايات عن تواصل الحضارات فهي مثل حي على التعايش والتكامل والتواصل بين الحضارات والثقافات وليس تصارع الحضـــارات رافضـــة بذلك النظريـــات الشائعة حاليــــا لصموئيــل هينتنجتـون ( ( Samuel Huntingto و فرانسيس فــوكــوياما Francis Fukayama ) )0 وكما يعلم الكافة قبل الخاصة أن مدينتنا التليدة هي من اقدم المدن المخططة العامرة فى العالم منذ أنشأها الإسكندر المقدوني عام 332 ق0م ووجه دينوقراطيس بإعداد التخطيط الرباعي المشهور عنها ، وذلك تواصلا مع قرية راكوديس الفرعونية التي عمرت هذه البقعة الإستراتيجية قبل ذلك بعدة قرون 0ومنذ ئذ فالإسكندرية احتضنت وأنبتت ونمت وأزهرت فيها الحضارات والثقافات المتوالية التي تتحدث عنها أزمانها ومحفور في أرجائها سجل الغزوات والفتوحات والثقافات ، والتحديات والإنجازات، والازدهار والانحسار، والصعود والهبوط ، تماما كما هو الحال في الإنسان تمر عليه موجات النجاح والفشل، والفلاح والكلل0
والإسكندرية من المدن النادرة فى الشرق الأدنى بعد القدس التي تعايش فيها مختلف الأجناس والألوان والمؤمنون بالأديان السماوية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام ، تاركين فيها ذاكرتهم وتراثهم وبصماتهم وكذلك عبراتهم لتحكي عن قصة الزمان وعبقرية المكان وذلك في ملحمة باهرة ومنظومة ساحرة وسيمفونية تاريخية نادرة ، فهي فريدة ومتفردة ورائدة وخالد0
ان المدينة العزيزة الوفية قد ألقت الضوء على أسماء لبعض المناطق والأحياء بالإسكندرية هي فى الواقع أسماء لبعض رجالات وآباء المدينة من الموسرين ورجال الأعمال الذين أعطوها كما أعطتهم و أنفقوا أموالهم من أجل خيرها وتطويرها فخلدت أسمائهم وطاب ذكرهم 0 ألم يؤسس هؤلاء أول مجلس بلدي فى الشرق الأوسط منذ القرن التاسع عشر؟ ألم ترسل بروكسل بعثات للتدريب على إدارة البلديات الي الإسكندرية لاكتساب الخبرة من القدوة0
ومن واقعي كدارس ومعلم وممارس فى مجال العمارة والعمران علمتني المدينة الكبرى وحرصت على الاستفادة من دروسها و السير على منهاجها والاستمرار على التزود من رحيق إكسيرها وعلي تفهم إيحاءاتها وعلي استيعاب إيماءاتها وعلي سماع إيقاعها والتغني بألحانها والنسج على أنوالها 0 ولم لا وهي المعلم والملهم وكاتم الأسرار وحامي الديار ؟ ! ولقد حرصت على الذود عن حياضها واحترام تراثها واستكمال وتنفيذ ما طوته كينونتها واستمرار معزوفة وجودها من خلال إعداد المخطط الشامل للإسكندرية الكبرى حتي عام 2005 منذ أكثر من عقدين وتطوير هذه الرؤى فى تخطيط 2017 وفي إعداد المخطط الهيكلي الإٍستراتيجي للإسكندرية العظمي حتي 2050 بما يليق بثغر مصر الأول وعاصمتها الثانية – وكانت الأولي منذ عشرين قرنا – وعروس البحر المتوسط ومنارة العلم والمعرفة لخدمة الإنسانية جمعاء حين كان العالم يرزح تحت نير الظلم والظلام 0
وفي سبيل إحياء صرح الامتياز العلمي والريادة البحثية المعهودة عن مكتبة الإسكندرية التليدة كان تكريس وقتي وجهدي وجل عملي كمدير لمكتبة الإسكندرية الجديدة خلال العشرين عاما الماضية إيمانا أصيلا مني بان مكتبة الإسكندرية تحمل بحق رسالة الإسكندرية الرائدة الفريدة للعالم أجمع كوعاء للتواصل والعطاء الحضاري المتجدد وكرائد للحضارة الإنسانية في كل زمان حيث أكدنا علي أهدافها منذ البداية كنافذة لمصر علي العالم ونافذة للعالم علي مصر ونموذجا للعطاء والإبداع الإنساني المتجدد والمعطاء والفاعل.
هذه لمحات عن الأسكندرية الأبية البهية.... للحضارة والتحضرعلامة, و للمدنية والتمدن هامة, قيمة وقامة.
| 5/2/2005 |
د / محسن زهران
أستاذ التخطيط العمراني بجامعة الإسكندرية |