بسم الله الرحمن الرحيم
تحذيرات وتحديات فى دلالات تقرير السكان
د/ محسن زهران
أستاذ التخطيط بجامعة الإسكندرية
ما أشبه الليلة بالبارحة، وليس بالإمكان أحسن مما كان!! إذ لا زال الإنفجار السكانى وتوابعه مستمرا، منذرا ومحذرا، مقيدا ومهددا، واعدا ومتوعدا!! لقد عاهدت نفسى بمتابعة الموقف السكانى فى مصر فى بداية كل عام، لما به من مؤشرات خطيرة ودلالات مثيرة، تنعكس سلبا على جهود وخطط الدولة التنموية، وتكبح عجلة الإنماء والإعمار, وتأسر مستقبل جميع الأعمار. إن التقرير الأخير الصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، والمنشور فى صحيفة الأهرام بتاريخ 16/2/2005،به لمحات من بعض التحسن الطفيف، إلا أنه لا زال يحمل فى طياته ما سبق من الدلالات والتحذيرات والمصاعب والتحديات التى تنوء بحملها الجبال! وكأن جهود وإنجازات أجهزة المعلومات والتخطيط والتنفيذ فى وادى، وحياة وسلوك وآداء السكان فى وادى أخر، منعنزل لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم ولا يفهم، مما يؤدى إلى إستهلاك الموارد وضياع الجهود وتلاشى الوعود.
لقد أصبح عدد سكان مصر الآن 72مليون نسمة (71.897مليون) بزيادة حوالى 1.3 مليون عن العام الماضى وبمعدل زيادة طبيعية 1.94% (1.96% فى العام الماضى), وهى لازالت مرتفعة تؤدى إلى إستهلاك الموارد والطاقات قى الدعم وتلبية الحاجات الملحة للسكان, و بالتالى عدم ظهور نتائج ملموسة للإنتعاش الإنمائى والإقتصادى ، فكأننا كالمنبت لا أرضا قطعا ولا ظهرا أبقى! ولا زالت نسبة السكان تحت 15 عام هى 38%, وهى شريحة سن التعليم الأساسى التى تحتاج إلى الكثير من الخدمات والرعاية والإعداد لتحمل مسئولية الغد . وتمثل الشريحة العمرية التالية من 15-40 عام نسبة 41% (كانت 40% فى العام الماضى) وهى تحتاج وتطالب بالحصول على فرص العمل والإسكان والخدمات والمرافق الضرورية والتى تقع معظم أعبائها على الدولة . وتمثل هاتان الشريحتان حوالى 80% من عدد السكان(38+41%) ، مما حدى بجهاز التعبئة أن يصف الشجرةالسكانية بأنها شابة لإعطائها صورة متجملة وردية المظهر,مع أنها مريرة المخبر لمشاكلها وأزماتها، إذ أنها تنم عن هرم سكانى متفلطح مترنح, وهى سمة مألوفة فى المجتمعات النامية فى أفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية، والمحتاجة دوما للدعم والمعونات من الغير! وبالإضافة إلى هذا فإن شريحة السن 40-60عام تمثل 20% من السكان وهى الشريحة المنتجة الفاعلة العائلة لمعظم الأسر المصرية بحسبان تفشى البطالة فى الشريحة الثانية .
وقد أكد التقرير أن قوة العمل فى مصر بلغت 21.176مليون نسمة بزيادة 375000 عن العام الماضى، مع العلم بأن نسبة كبيرة من القوة العاملة ضعيفة الكفاءة قليلة الإنتاج وتعانى من البطالة المقنعة.ولقد حذر جهاز التعبئة من إرتفاع عدد العاطلين إلى 2.238مليون نسمة (مقابل 1.483مليون فى عام 2000)، وهذه البطالة الخطيرة,وأغلبها فى سن الشباب, لها دلالات محذرة ومنذرة سياسيا وإجتماعيا وإقتصاديا ، خاصة أن نسبة البطالة قد وصلت إلى 10.57% . ويزيد الطين بلة أنه برغم الإعتمادات الكبيرة والجهود الكثيرة المخصصة لمحو الأمية فهى غير مؤثرة، ولازال هناك 12.42مليون نسمة من الأميين بنسبة 26.8% من السكان أغلبها من الإناث، وهى من أعلى النسب المحبرة بين الدول العربية, حسب تقرير التنمية البشرية الأخير الصادر عن ألامم المتحدة. وربما كانت الارقام الواردة بإرتفاع نسبة الذكور (35.817مليون) عن الإناث (34.179مليون) بحوالى 2.4% ملفتةللنظر والتعليقات والتندر!
إن الأمرجد جلل فالمصاعب كثيرة والتحديات خطيرة، ولا زال السيد رئيس الجمهورية ينبه ويحذر الكافة مرارا إلى الأزمات والمشاكل التى تفجرها الزيادة السكانية المرتفعة. إن حوالى 30% من السكان يعول الأغلبية العالية الأصوات الكثيرة الحاجات، بالمقارنة بالثلثين فى الدول المتقدمة. ولازالت أيضا الأمية مستفحلة والهرم السكانى شاب يحتاج إلى كثير من الإنفاق والدعم والخدمات والعون دون إنتاج حتى لطعامه. كما حذرالجهازبإن بأن حجم الاسرة كبير (4.7فرد)، ونتيجة لتحسن الرعاية الصحية فقد أرتفع سن البقاء إلى 68.4 للذكور وإلى 72.8 للنساء(5,8% من السكان فوق 60 عام)،مما يترتب عليه الحاجة إلى توفير موارد إضافية للتأمينات والمعاشات وكذلك للخدمات الصحية والترويحية والرعاية الإجتماعية .
إن الأستعدادات جارية الآن لإجراء التعداد العام للسكان والإسكان فى عام 2006(كل عشر سنوات)، وتم الإعلان عن تجنيد مليون فرد للقيام بالمهام المطلوبة. ولابد هنا من إعادة التأكيد على أن العبرة ليست بالكم ولكن بالكيف،ذلك أن أغلب الإحصاءات والبيانات الصادرة عن الدول النامية تصفها المؤسسات الدولية بأنها غير صحيحة وغير دقيقة ولا يعتمد عليها. ومن الصعب على أجهزة التخطيط وأتخاذ القرار الاستناد إلى معلومات غير صادقة وغير شفافة وغيرسليمة! فالتجميل والفهلوة والتسيب وعدم الجدية واللا مبالاة واللاإنتماء من الأمراض المتفشية فى مجتمعاتنا وهى ظاهرة ستؤدى إلى أوخم العواقب وأخطر المصائب. ولقد كشفت حرب العراق أنه نجم عن المعلومات الخاطئة قيام اكبر دولة فى العالم المتقدم بشن حرب غاشمة حصدت فيها أرواح مئات الالاف وكلفتها مئات المليارات! إن هذا الدرس المرير يجب أن نتعظ منه ونصر على ضرورة توخى الصدق والصراحة والمكاشفة والشفافية والأمانة والإنتماء والكفاءة والجدية والإخلاص، خاصة وأن التعداد العام للسكان هو الركيزة الإستراتيجية لخطة التنمية البشرية الشاملة خلال العقد القادم. "ولايغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
| 22/2/2005 |
د / محسن زهران
أستاذ التخطيط العمراني بجامعة الإسكندرية |