بسم الله الرحمن الرحيم
صون المدينة والمدنية
د/ محسن زهران
أستاذ التخطيط بجامعة الإسكندرية
· المدنية أساس المدينة
المدينة مرآه لحالة الحضارة والمدينة ، تعكس كيانها وكينونتها وتعبر عن مكانتها ورقيها ، كما تنضح كالوعاء بمظاهر تدهورها وتدنيها ، لقد أعلن أر سطو معلم الإسكندر الأكبر هذا المعني فى القرن الرابع قبل الميلاد عندما أصر على أن المدينة هي منبع وملهم المدنية ، وأكد نفس المعني المفكر والمخطط الرائد ايليل سارانين "أرني مدينتك وسأدلك علي الأهداف الحضارية لسكانها "0 كما ردد السياسي الكبير ونستون تشر شل نفس المبدأ عن آثر الوعاء على المحتوي وتحكم الشكل والمضمون خلال الحرب العالمية الثانية ، وذلك عقب تدمير جانب من البرلمان الإنجليزي بفعل قصف الطائرات الألمانية ، ومطالبة بعض النواب بهدم المبني وإعادة بنائه بأسلوب وتصميم عصري – إذ أعلن تشر شل " نحن نشكل مبانينا وبعد ذلك تشكلنا مبانينا " وكذلك نحن نشكل مدننا وبعد ذلك تشكلنا مدننا وجداناّ و أدائنا وسلوكنا 0
ولا شك إذن بأن الحفاظ علي المدينة وصيانة مبانيها وكافة مكوناتها هو حفاظ علي وعاء الحضارة وكيان المدينة ، وذلك أن المدينة هي بوتقة لصهر الطاقات وإطلاق الطموحات و إبراز التنوعات ، واستثمار الاختلافات وربط الإنسان بالمكان ، وتحقيق السلامة و الأمان لكل السكان " وهي صدي الماضي وتفعيل الحاضر وإطلاق لإبداعات المستقبل ، دون تمييز بين فئات المجتمع من حيث الشكل أو النوع أو اللون أو العقيدة ، ذلك أن المدينة ألحقه تذيب الحدود وتمحو الفوارق وتزيل التعصب بين عناصر المجتمع وفئاته وتحفز الملكات وتفتح الآفاق0
· المدينة مدرسة ومؤسسة
المدينة هي الإطار الجسدي الملموس الحاضن للإنسان والمفجر لطاقاته وإبداعاته والحامي لذاتية وهوية السكان ، والمدينة هي نظام وانتظام والتزام وانتماء ، والمدينة هي منطلق الرسالات و الإشراقات ، وملهمة الانطلاقات لمسيرات التطور والتقدم الوطني والثقافي والاجتماعي والحضاري ، والمدينة هي مدرسة الحضارة ومؤسسة التمدن وقاعدة ازدهار المدينة من خلال كيان موحد مشترك يحقق الآمال ويحفز التعاون والتواصل والتفاعل والإلهام والإبداع من خلال تفاعل الملموسات مع اللاملموسات ، توحد الشكل مع المضمون واستمرار المادة فى اللامادة والمدينة هي محصلة تجارب الأجيال وتصاعد الآمال ، وارتقاء الرؤى ورقي المشاعر واندماج المصائر 0المدينة ذخر ونبع ووعد من خلال هذه اللمحات عن الأهداف والجوهر والشكل والمعني ، والمحتوي، وفي كينونة المدينة كوعاء للعمران ومن منطلق للحضارة والتحدي ، فإن الحفاظ علي نسيج المدينة مبان و فراغات وبنيان بكافة مكوناتها وعناصرها و أنشطتها وتفاعلاتها مع التجمعات الحضرية الأخرى المشكلة لأنويه الحضارة على المستويات المحلية والقومية والإقليمية والعالمية ، خاصة فى إطار التطور والتقدم التكنولوجي وثورة الاتصالات والمواصلات والمعلومات الذي ألغي الحدود وفتح الأبواب للنظام العالمي الجديد0
· متطلبات وتحديات الحفاظ علي المدينة
أن الواجب إذن يتطلب أن نحافظ علي كامل الكيان العمراني والحضري بكافة عناصره:-
- أليس الأمر مرتبط بقوانين التخطيط والبناء والإسكان ، وما بها من قصور وثغرات وعوار ؟
- أليس الأمر مرتبط بأداء قطاع التشييد والمقاولات والبناء وما به من فوضي ومصاعب وقصور وتخلف ؟
- أليس الأمر مرتبط بقصور الممارسة المهنية مسئولية وتصميما وتنفيذا وإشرافا واستمرارا ؟
- أليس الأمر مرتبط بقصور وثغرات فى قوانين ولوائح النقابات الهندسية والفنية والتطبيقية وغيرها من النقابات ؟
- أليس الأمر مرتبط بصناعات البناء ومواد البناء والأنظمة المختلفة داخل المباني وشبكات البنية الأساسية من مياه وصرف صحي وكهرباء وغاز واتصالات وغيرها ؟
- أليس الأمـــر مرتبـــط بأنظمـــة ولوائـــــح الإدارة الحضريــــة والعمرانيــة Urba Management ؟ ، ولا نقصد هنا الإدارة المحلية بالمفهوم المعروف ، بل أن الإدارة العمرانية الحية هي علم متعدد الجوانب والاختصاصات والاهتمامات والأنشطة والكوادر والموارد والإمكانات بشرية كانت أم مادية 0
ولقد كانت الفرصة مواتية لاعتماد هذا المنهج وتطبيقه فى المجتمعات العمرانية الجديدة ولكن من أسف أن الأجهزة المسئولة عن هذه المجتمعات قد اهتمت نواحي التخطيط والتنفيذ والتعمير دون غيرها 0
أن أمر الحفاظ علي صون المدينة والمدنية مرتبط بقوانين الاستثمار والمناطق الحرة والصناعة والزراعة واستصلاح الأراضي والبيئة والآثار والإيجار والإسكان والمحاجر وتداخل التشريعات المختلفة المؤثرة فى العمران والإسكان التخطيط والبناء ونأمل أن يصدر قريبا قانون البناء الموحد لكي يتعامل بحسم مع القصور والتداخل والتعارض فى التشريعات واللوائح المختلفة 0
- أليس الأمر مرتبط بممارسة أعمال المقاولات والتشييد بمعرفة أفراد غير مؤهلين أو متمرسين فى التنفيذ والملمين بالعلوم والقواعد أو المواصفات أو أصول الصناعة الواجبة مما اثر فى تدني مستوي التنفيذ وحالة المباني المتدهورة حاليا ؟
- أليس الأمر أيضا مرتبط وناتج عن تفشي اللاإنتماء وتدني السلوك وانتشار الفوضى واختفاء الالتزام والانضباط وسقوط الأقنعة وزوال العقبات وانتشار التسيب فى المظهر أو الملبس أو الأداء أو السلوك سواء فى المناطق العامة أو من خلال العمل والتعامل ، أو فى مجال العلاقات الفردية أو الاجتماعية والحفاظ على المدينة هو حفاظ على المدنية 0
· تجربة مدينة الإسكندرية فى التأمين على مكونات المدينة منذ 1905
لقد كانت لبلدية الإسكندرية التي أنشئت في أخر القرن التاسع عشر تجارب رائدة في مجال إدارة المدينة والحفاظ على مبانيها وطابعها وشبكاتها ومرافقها ، إذ كانت أول بلدية تنشأ في الشرق الأوسط وأرسلت إليها مدن أخرى ، ومنها بر وكسل ، بعثات للتدريب على نظام إدارة المدن منذ مائة عام إذ كانت الإسكندرية مثلا يحتذي ونموذجا مرموقا تقتدي به حتي المدن الأوروبية 0
ولقد أقرت بلدية الإسكندرية قانونا ونظاما للصيانة والحفاظ علي مباني المدينة وشوارعها والتأمين عليها في عام 1905 سمي Insurance Plan ، تم تطبيقه أولا على الحي اللاتيني أو الأوروبي فى المنطقة المحصورة بين الشلالات ومحطة مصر وشارع النبي دانيال وميدان عرابي والمنشية ( ميدان القناصل ) وأعمالا لهذا القانون قامت البلدية بالتأمين على شبكات المرافق في شوارع الحي شاملة شبكات المياه وأعمدة إضاءة الشوارع والنقل العام ، وشبكات التلغراف ، وإطفاء الحريق ، والنقل العام وشمل التامين تغطية نفقات صيانة أرصفة الشوارع وأرضياتها ، وأعمدة الإنارة ، المقاعد والأسوار والأعمدة والأكشاك الحديدية والخشبية ، والأعمال الفنية الجيدة والنباتات والأشجار النادرة وصفوف أشجار النخيل والحوائط الحجرية وغيرها 0
ولقد تم جمع الموارد اللازمة لدفع نفقات التامين بفرض ضريبة قدرها 16% على الإيراد من الإيجارات وتحصيل 2.5 % ضريبة على قيمة الأرض سنويا ، وتم استخدام حصيلة هذه الضريبة للإنفاق على التنمية الحضرية وعلي دفع قيمة التامين على المرافق العامة، بينما قام ملاك العقارات المبنية بدفع قيمة التأمين علـى عقاراتهــم ( شركات التأمين المختارة من طرفهم ) من قيمة الإيجارات التي يحددها سوق العرض والطلب ،
ولقد حدد التأمين قائمة بشركات التامين المعتمدة للقيام بمهام التأمين والصيانة والترميم كما أقرت المواصفات والقواعد والاشتراطات الهندسية والفنية الواجب الالتزام بها وتطبيقها من قبل الكافة ، ولقد ضمن نظام آليات السوق حصول الملاك علي العوائد المالية المناسبة لدفع كافة الالتزامات وتوفير الدخل المناسب لاستثماراتهم0
· محاور وتوجهات صون المدينة
إن الحافظ على المدينة يضمن بجانب الحفاظ على العقارات المبنية من التدهور والانهيار صون وحماية والحفاظ على الأسس والمنطلقات والتوجهات الآتية :
1- الشوارع والميادين والساحات والطرق 0
2- الحفاظ على أعمدة الإنارة والإشارات والعلامات الإرشادية 0
3- الحفاظ على منشآت المرافق والخدمات 0
4- الحفاظ على المباني والأحياء والمعالم ذات القيمة التاريخية والحضارية والثقافية.
5- الحفاظ علي المرافق العامة والمتنزهات والمسطحات الخضراء 0
6- الحفاظ علي النافورات والأعمال الفنية والتماثيل والنصب التذكارية 0
7- الحفاظ على الشواطئ والبحار والبحيرات والأنهار والمسطحات المائية0
8- الحفاظ على المؤسسات الثقافية التعليمية والاجتماعية والدينية 0
9- حماية المباني وطرقاتها و فراغاتها ومبانيها بين التلوث البصري والسمعي والثقافي والسلوكي والأخلاقي 0
10- الحفاظ على الطابع الجمالي لواجهات المدينة وقيمتها المعمارية والفنية صونها من التعدي بالعلامات و اليفط والمعلقات والإشارات والتركيبات الخارجية والإعلانات التجارية 0
11- منع المفردات والجمل التشكيلية الغريبة على عمارة وهوية وشخصية المدينة الحضارية التي تؤدي الي فساد مظهرها وضياع ملامحها ومنظومة كيانها الحضاري وهويتها الجمالية والفنية 0
12- الحفاظ على مباني المدينة من التعلية بأدوار ذات أشكال غير متمشية مع الطابع المعماري والهوية التشكيلية لها 0
13- الحفاظ على نسيج المدينة و نطاقها الحضري من المباني العشوائية والتجمعات العمرانية والأخطبوطية والأورام السرطانية والاحتياجات و الامتدادات الشاردة و المتحدية للقانون والنظام العام بدافع الاستغلال و الإبتذاذ والإثراء الفاحش على حساب التشريعات والأعراف والمجتمع الإنساني ، مما يؤدي الي ضياع شكل كيان ونسيج وطابع الحضارة 0
14- الاهتمام بإقرار وتنفيذ تخطيط شامل للمدينة ينظم تنميتها العمرانية المستدامة ومستقبلها الاقتصادي والاجتماعي والحضاري والثقافي المناسب لها 0
15- منع تداخل وتنافر الأنشطة والاستخدامات المتعارضة مما يحقق السلام والراحة والأمان والأخلاق 0
16- إن الحفاظ على مظهر ورونق المباني وأزياء وسلوك الأفراد سمة من سمات التحضر والمدنية ، وفي غيابها إعلان عن الإفلاس الحضاري وغياب التجديد ومبدأ الصيانة والحفاظ على المدينة والمدنية يتطلب الحفاظ على مظهر المباني والطرقات وتنسيقها وتحملها وعدم السماح بالتلوث البصري والتلوث الجمالي الناتج من التنافر التشكيلي والسماح واليفط والعلامات وفوضي الأزياء والسلوك والحركة وانتظار السيارات المخالف و شغالات الأرصفة والشوارع وفوضي السير فى الطرقات والشوارع الممرات ، وتنافر مشاعة الإعلانات التجارية فوق المحلات وفوق المباني والأرصفة والتنافر البغيض للإنشاءات والمختلفة المتراكمة فوق أسطحها ، وغيرها من المتناقضات والمهددات لماهية التحضر والمدنية 0
إن الحافظ علي و صون المدينة بكافة مقوماتها ومكوناتها وعناصرها ونسيجها العمراني وتراثها الحضري وهويتها المعمارية يمثل هدفا قويا استراتيجيا ، والأمر يتطلب مراجعة جذرية فى مجموعة القوانين والأنظمة والأطر والسياسات والبرامج والمشروعات المؤثرة فى وجود وكيان ومستقبل المدينة والحضر حيث يقطن 50% من سكان مصر ، سيرتفع الى 80% قبل منتصف القرن ، وذلك فى إطار رؤى شاملة ومتكاملة ترتكز على كافة الأبعاد والمحاور والتوجهات دون انحياز أو انتقاء أو تفضيــل 0
ولا شك أن تجربة مدينة الإسكندرية فى مطلع القرن الماضي فى التأمين على نسيج المدينة ومبانيها وشوارعها وكذلك كافة عناصر التنسيق والتجميل والتشكيل الحضري والمعماري تعتبر مثلا رائدا يمكن دراسته وتقييمه والاستفادة من إيجابياته فى إطار الحاضر ومتغيراته وكذلك تحديات وآمال المستقبل ، إن تأمين العمران هو تامين وصون لسلامة و أمان الإنسان ، والحفاظ على كيانه وماله وعمله حاضرة ومستقبلة ، ولا ريب أيضا أن حقبة التخلف والتأخر عن ركب الحضارة والتقدم قد أثارت غبار الإهمال والضياع والتردي والبلبلة والأنانية واللاإنتماء ، وهي مظاهر تفل فى عضد البنيان وتنحر فى عظام العمران وتقضي على تراث الإنسان والمكان !!
إن غياهب الظلام قد انحسرت وشمس الصحوة والتقدم قد أشرقت بعد صحوة الذات وامتلاكها مقدرات أمرها من أجل تحقيق طموحات أبنائها ، وفى إطار عالم القطب الواحد وتداعيات أحداث سبتمبر الماضي ، فإننا نحتاج اكثر من أي وقت مضي لتأكيد الانتماء وتأصيل الهوية والحفاظ على أسس مدينتنا وحضارتنا من اجل إيقاظ النفوس لاعتناق معاني الولاء والانتماء ، والالتزام و العطاء ، والسلوك والأداء ، حفاظا على المدينة كوعاء للحضارة والتطوير وملهم للإبداع والتقدم ، ومن أجل تحقيق آمالنا فى مستقبل أكثر إشراقا فى مدننا الخالدة التي نفاخر بها الدنيا وهي أنويه الحضارة والمدينة فى مصرنا الحبيبة التي علمت الدنيا مبادئ الحضارة ومنطلقات المدينة ومن أجل خير البشرية جمعاء 0
| 20/2/2005 |
د / محسن زهران
أستاذ التخطيط العمراني بجامعة الإسكندرية |