Papers:

بسم الله الرحمن الرحيم

التأمين على السكان وصون العمران

د/ محسن زهران
أستاذ التخطيط بجامعة الإسكندرية

تقدمت الحكومة مؤخرا بمشروع قانون لفرض رسوم نظافة لتطبيقه فى المدن . ولقد كانت لبلدية الإسكندرية التي أنشئت في أخر القرن التاسع عشر تجارب رائدة في مجال إدارة المدينة والحفاظ على مبانيها وطابعها وشبكاتها ومرافقها . وقد كانت أول بلدية تنشأ في الشرق الأوسط, وأرسلت إليها مدن أخرى ، ومنها بر وكسل، بعثات للتدريب على نظام إدارة المدن منذ مائة عام! و كانت الإسكندرية مثلا يحتذي, ونموذجا مرموقا به يقتدي , حتي المدن الأوروبية !

ولقد أقرت بلدية الإسكندرية قانونا ونظاما للصيانة والحفاظ علي مباني المدينة وشوارعها والتأمين عليها في عام 1905 سمي Insurqnce Plan ، و تم تطبيقه أولا على الحي اللاتيني أو الأوروبي فى المنطقة المحصورة بين الشلالات ومحطة مصر وشارع النبي دانيال وميدان عرابي والمنشية ( ميدان القناصل ) وأعمالا لهذا القانون قامت البلدية بالتأمين على شبكات المرافق في شوارع الحي شاملة شبكات المياه وأعمدة إضاءة الشوارع والنقل العام ، وشبكات التلغراف ، وإطفاء الحريق ، والنقل العام وشمل التامين تغطية نفقات صيانة أرصفة الشوارع وأرضياتها ، وأعمدة الإنارة ، المقاعد والأسوار والأعمدة والأكشاك الحديدية والخشبية والأعمال الفنية والنباتات والأشجار النادرة وصفوف أشجار النخيل والحوائط الحجرية وغيرها.

وتشير الوثائق الي أن الموارد اللازمة لدفع نفقات التامين قد تم جمعها بفرض ضريبة قدرها 16% على الإيراد من الإيجارات وتحصيل 2.5 % ضريبة على قيمة الأرض سنويا 0 وتم استخدام حصيلة هذه الضريبة للإنفاق على التنمية الحضرية وعلي دفع قيمة التامين على المرافق العامة، بينما قام ملاك العقارات المبنية بدفع قيمة التأمين على عقاراتهم ( شركات التأمين المختارة من طرفهم ) من قيمة الإيجارات التي يحددها سوق العرض والطلب . ولقد حدد التأمين قائمة بشركات التامين المعتمدة للقيام بمهام التأمين والصيانة والترميم كما أقرت المواصفات والقواعد والاشتراطات الهندسية والفنية الواجب الالتزام بها وتطبيقها من قبل الكافة ولقد ضمن نظام آليات السوق حصول الملاك علي العوائد المالية المناسبة لدفع كافة الالتزامات وتوفير الدخل المناسب لاستثماراتهم 0

إن صون المدينة والحفاظ علي مقوماتها ومكوناتها وعناصرها ونسيجها العمراني وتراثها الحضري وهويتها المعمارية يمثل هدفا قويا استراتيجيا وذلك حيث أنه يقطن فى المدن 50 % من سكان مصر وسترتفع النسبة الى 80 % قبل منتصف القرن ، والأمر يتطلب مراجعة جذرية فى مجموعة القوانين والأنظمة والأطر والسياسات والبرامج والمشروعات المؤثرة فى وجود وكيان ومستقبل المدينة والحضر ، وذلك فى إطار رؤى شاملة ومتكاملة ترتكز على كافة الأبعاد والمحاور والتوجهات دون انحياز أو انتقاء أو تفضيل 0

ولا شك أن تجربة مدينة الإسكندرية فى مطلع القرن الماضي فى التأمين على نسيج المدينة ومبانيها وشوارعها وكذلك كافة عناصر التنسيق والتجميل والتشكيل الحضري والمعماري تعتبر مثلا رائدا يمكن دراسته وتقييمه والاستفادة من إيجابياته فى إطار الحاضر ومتغيراته وكذلك تحديات وآمال المستقبل . إن تأمين العمران هو تامين وصون لسلامة و أمان الإنسان ، والحفاظ على كيانه وماله وعمله ، وماضيه وحاضره ومستقبله . ولا ريب أيضا أن حقبة التخلف والتأخر عن ركب الحضارة والتقدم قد أثارت غبار الإهمال والضياع والتردي والبلبلة والأنانية واللاإنتماء ، وهي مظاهر تفل فى عضد البنيان وتنحر فى عظام العمران وتقضي على تراث الإنسان والمكان !!

إن غياهب الظلام قد انحسرت وشمس الصحوة والتقدم قد أشرقت بعد صحوة الذات وامتلاكها مقدرات أمرها من أجل تحقيق طموحات أبنائها . وفى إطار عالم القطب الواحد وتداعيات أحداث سبتمبر الماضي ، فإننا نحتاج اكثر من أي وقت مضي لتأكيد الانتماء وتأصيل الهوية والحفاظ على أسس مدينتنا وحضارتنا من اجل إيقاظ النفوس لاعتناق معاني الولاء والانتماء ، والالتزام و العطاء ، والسلوك والأداء ، وحفاظا على المدينة كوعاء للحضارة والتمدن وملهم للإبداع والتقدم 0

 

20/2/2005 د / محسن زهران
أستاذ التخطيط العمراني بجامعة الإسكندرية

Back

 

   © 2003 Prof. Dr. Mohsen Zahran, All Rights Reserved. Site by: Pylon Group