|
تناولت الأقلام
وأجهزة الإعلام في العقد الأخير من القرن العشرين قضية لم تكن
بارزة علي الساحة الدولية أو الإقليمية بهذا التضخيم وبهذه
الإثارة ألا وهي قضيةصراع الحضارات. ولقد أدي اهتمام صمويل
هنتجتون الأستاذ في جامعة هارفارد في مقاله في مجلة الشئون
الخارجية عام1993 تحت عنوان صدام الحضارات إلي إبراز هذا
الموضوع وتناوله التداعيات الخطيرة المترتبة علي ما سماه بصدام
وتصارع الحضارات إلي إثارة الكثير من المقالات والأفكار المتسمة
بالمبالغة بل المزايدة والتضليل والتهويل بلا أساس وبلا
سند.
وماهي إلا أضغاث أحلام وأوهام, ما انزل الله بها
من سلطان! ذلك أنه بانهيار المعسكر الشيوعي وزوال الأسوار
الحديدية وهيمنة القطب الواحد المتمثل في الولايات المتحدة
الأمريكية, برزت في غياب المعسكر الشيوعي الحاجة إلي إيجاد خصم
جديد. وابتدع المخططون الاستراتيجيون في العالم الغربي وجود
صراع وعداوة مع الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية مستغلين بعض
أعمال العنف والإرهاب وإجراءات القمع في إيران وأفغانستان
وغيرهما من دول المنطقة وكذلك مستندون إلي بعض المشاكل والصراعات
الاجتماعية والاقتصادية والأصوات المتطرفة في بعض دول آسيا
وإفريقيا التي تعاني من أنواع الفقر والحرمان والضياع والتخلف
ولكي يبنوا عليها صورة العدو الجديد والخصم اللدود للغرب,
وبناء علي ذلك اصبح من الواجب المحتم علي العالم الغربي محاربة
ومواجهة هذا الخصم الجديد والقضاء عليه ومحاصرته والإطباق عليه
ثم التخلص منه؟! وكيف تتطور الأمور, وتؤول الأحداث ويطبق
الظلام علي الحضارة الإنسانية إلي هذا المدي وقد أشرقت علينا
الألفية الثالثة والقرن الحادي والعشرون؟! ألم نتعلم من الماضي
ومأسي التاريخ وحروب القرون الماضية وكوارث الصراع مايكفي؟!
وإلام التدهور والتخلف في عصر التنوير والتقدم والعولمة الذي
رفعت فيه رايات القرية الكونية واختفاء الحدود وزوال حواجز
الزمان والمكان بما أحدثته ثورة المواصلات وتقنيات الاتصالات
المبهرة وغزو الفضاء الواعد؟! كيف وصلنا إلي هذا المفترق
الخطير وإلي هذا التحدي المتردي إلي هذا التصادم العنيف؟ أنسينا
تاريخ تسلسل وتكامل حضارات الإنسان؟ أبعدنا عما تنادي به
الرسالات السماوية الغراء؟ أتناسينا ما نصت عليه شرائع خالق
الكون ومن فيه ومافيه من إبداع واعجاز وآيات وأحكام؟
إن
الأمر ياسادة يبعد كل البعد عن الدين أو الديانات, أو الرسل
والرسالات أو تصادم الحضارات؟ ولاصلة له بها ولامسار لفلكه
حولها؟! ذلك أن التصادم والصراع يعني عداء وتصديا وتمترسا
ونزالا؟! والإسلام لايدعو إلي ذلك ولاينادي به بل
ينبذه. إذن فالإسلام دين السلام والحب والإخاء والتسامح
والتراحم والتكافل ومكارم الأخلاق قولا وفعلا ـ دينا ودنيا ـ!
وهل يوجد إنسان لا يبغي هذه القيم, ويدعو إليها ويعمل بها؟!
حيثما كان وأيا كان, وطنه أو عقيدته أو لونه أو
نوعه؟
إن الحضارة الإسلامية كما تعكسها المدينة والعمارة
والفنون الإسلامية تعكس حرية التعبير والاختلاف حسب المتطلبات
الثقافية والظروف البينية والتوجهات للشعوب الإسلامية في المناطق
والأقاليم المختلفة. فالحضارة الإسلامية في الأندلس والمغرب
العربي تختلف في خصائصها وطابعها عن تلك في مصر وسوريا ولبنان
وتركيا والبوسنة والبانيا وعن تلك في العراق وإيران وباكستان
وماليزيا وإندونيسيا, فكل له هويته وطابعه ومميزاته معبرا عن
بيئته وتقاليده وعاداته وإمكاناته وتقنياته وفنونه. فالأمر
لاصلة له بالحضارة الإسلامية أو الشعوب الإسلامية. وليس
الأمر مرتبطا كذلك بحوار الحضارات من منظور محدود ؟! ذلك أن
الحوار يعبر عن الواقع المعزول والتواصل المقطوع والتفاعل
الموضوع وهذا التوجه في رأيي غير دقيق وغير صحيح. فهناك من
المنظمات والهيئات والمؤسسات الدولية والإقليمية, سواء الرسمية
أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية أو الفكرية أو
العلمية, مما يربط الحكومات والمجتمعات المختلفة والجمعيات
والأفراد باتفاقيات ومعاهدات ومواثيق وأنظمة وشبكات متينة
البنيان وقوية الأركان وهي تقدم الحوار. ولقد تعدي أثرها وعبرت
تأثيراتها ومجالاتها كل الحدود وكل القارات وكل الأزمان.
فالحوار إذن موجود وفعال ونلمسه في قراراتنا وعلومنا وأفعالنا
يوميا! وكذلك خطوط وشبكات وأنظمة الإعلام والتلاحم والتكامل
والتواصل حية ومؤثرة نابضة بالحياة سواء ملموسة أولاملموسة,
سواء مرئية أو اثيريه ولقد بلغ عدد سكان العالم الآن ستة ونصف
مليار نسمة يعيشون في حوالي190 دولة عضوا في منظمة الأمم
المتحدة, ومعظمها يعاني من النقص والفقر والتخلف وتحديات
البقاء والتنمية. لقد كان سبعون من هذه الدول مستعمرة عند
تأسيس المنظمة الدولية عام1945 ولقد أكد ميثاق الأمم المتحدة
الذي وقع عليه ممثلو الخمسين دولة المؤسسة للمنظمة الدولية(
منها مصر) في سان فرانسيسكو في1945/6/26, علي قيم السلام
والأمن والتسامح وحقوق الإنسان, ونادي بضرورة توفير الحرية
والعدالة والمساواة وتوفير وإمكانات تحقيق التقدم الاجتماعي
والاقتصادي للإنسان في كل مكان. والأوفق أن تكون الدعوة إذن
ليست لايجاد أو دفع الحوار والتفاعل بل لتعظيم فعاليته ولتقوية
أواصره وفعالياته, بإيجاد قواعد وآليات مشتركة لمزيد من الفهم
والتفاهم, والتأثير والتأثر, وإثراء التبادل والتكامل بهدف
مضاعفة الجسور وتوسيع الآفاق وتعظيم دور المؤسسات والأطر
والآليات, وخلق وسائل وأنظمة أكثر فاعلية وعطاء, بهدف تجنب
العثرات وتلاقي القصور وعبور الأزمات, ووصولا إلي خلق فرص
التلاقي واللقاء, والتواصل والتفاعل. وليكن واضحا للكافة أن
الأمر يتعلق إذن بتواصل وترابط الحضارات واستمرار رسالة الإنسان
في تعمير الأرض, كل جيل يضيف إلي مدماكه بنيان الحضارة
الإنسانية الشامخ ولنا من التاريخ دروس وعبر لايمكن عدها أو
حصرها واستنباط الدلالات والتوجهات منها.
*آفاق وأطر
التواصل بين الحضارات:
واستنادا لدروس التاريخ والتجارب
المعاصرة, فإن أفاق وأطرا ومناهج التواصل ببن الحضارات يمكن
تحفيزها علي محورين أساسيين: 1ـ المحور الثقافي والفكري
والعامي والفني ـ محور اللاملموسات
2ـ الحور المادي
والتطبيقي ـ محور الملموسات ويتضمن المحور الأول إيجاد
الوسائل والآليات والفعاليات التي تحقق الحوار والتفاعل بين
الحضارات التي تجمعها وتربطها أولا روابط وعلاقات وتواجد مشترك
جغرافي تاريخي جيويوليتكي, وليكن ذلك مثلا يطبق بين دول البحر
المتوسط, والذي بدأ فعلا في برشلونة باسبانيا, علي أن يكون
له مباديء وإطرر قادرة علي التطبيق علي المدي القيب والمتوسط
والبعيد وستتولي المنظمات الدولية والإقلمية الفاعلة في المنطقة
تفعيل ذلك مثل منظمة اليونسكو/ منظمة اليونيسيف/ الاتحاد
الأوروبي/ منظمة الأغذية, الجامعة العربية, الجامعة
العربية الإفريقية, اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب
آسيا, حوار الشمال الجنوبي. ولقد خدمت مكتبة الاسكندرية
القديمة الدول الواقعة حول حوض البحر المتوسط الذي يقوم بدور
الوسيط البيني الموحد والمجمع والرابط بين الدول الواقعة حوله
ذات الأصول التاريخية والجغرافية والثقافية المشتركة. ولاشك أن
لمكتبة الإسكندرية الجديدة دورا فاعلا وفعالا في تحقيق نفس
الأهداف والمبتغيات وذلك بالدعوة لانطلاق وتفعيل اللقاءات
والحوارات والندوات, وورش العمل والمناهج والفعاليات المختلفة
لاجراء الدراسات والأبحاث للتقريب بين الآراء والاس تفادة من
الاختلافات في تحقيق القواعد المشتركة للتفاهم والتواصل والتلاحم
والتفاعل.
ويتم التركيز من خلال المحور الثاني علي
النواحي والتفاعل المادي ويهتم بالأمور السياسية والاقتصادية
والتقنية والعلمية والتجارية والسياحية والبينية, والقوي
العاملة والمواد الخام والمنتجات الزراعية والصناعية, وهناك
لكل من دول شمال المتوسط وجنوب المتوسط ماتعطيه وتشارك به
وتستقبله وتعتمد عليه من انجازات وانتاج الدول الاخري. وقد
يكون هذا المحور مساندا بل محفزا للتحرك والتقدم الفعال علي
المحور الأول مسترشدين بنموذج الاتحاد الأوروبي وينبغي في هذا
الإطار إعادة دراسة اتفاقيات المشاركة مع الاتحاد الأوروبي
واجراء فتح اكبر للحدود والجسور واكتشاف إمكانات المصالح
المشتركة, تم استغلالها لصالح الكافة بتنسيق هادف وحسب منظومة
شاملة مقبولة لكافة الأطراف الفاعلة وينبغي التأكيد علي أن البحر
المتوسط هو بحيرة مغلقة تعاني من ارتفاع التلوث بها لمستوي خطر
سيؤثر علي كافة الدول الواقعة عليه. وأن الاستقرار والسلام
والأمن والمستقبل الأمن الصحي والواعد للكافة هو مسئولية مشتركة
تتحمل مسئوليتها كافة الشعوب والمنظمات والجماعات, من منطلق إن
حدود أوروبا لاتنتهي عند جنوبي فرنسا أو اسبانيا أو ايطاليا أو
اليونان, بل تبدأ من حدها عند دول شمال افريقيا, وان اي
تداعيات في هذه الدول تؤثر علي أمن واستقرار القارة الاوروبية
نفسها
وبقدر ما هنالك تحديات وصعوبات ومشكلات قد تظهر بين
آوانة وأخري لأسباب إقليمية مختلفة علي طريق استكشاف وتحديد
المشاكل وتحليلها وتقييمها واستنباط مواقع الوفاق ومناطق
الخلاف, فان التعامل معها جميعا يتطلب إطارا عقلانيا وفكريا
متفتحا ومن خلال إطار سياسة الانفتاح والتنوير وحل مشاكل التطوير
والتنمية بغية مواجهة المستقبل المشترك الأمن والواعد للجميع فان
هناك أيضا كثيرا من مواطن التوحيد والقواسم المشتركة واللقاء
والتفاعل والتفاهم والمشاركة المفيدة نابعة من التاريخ والمصالح
المشتركة, ومن الاتفاقيات العالمية والاقليمية, ولتكن
اتفاقية الجات( اتفاقية منظمة التجارة العالمية) منطلق
للاستفادة مما فيها من تحرير الحدود وازالة العوائق في مجالات
السلع والخدمات واساسا
مهما نرتكز عليه بدلا من أن نتباكي
ونتألم مما فيها من عوائق ومظالم للعالم الثالث. اي يجب علينا
ان نحرر توجهاتنا الاستراتيجية والفكرية والتطبيقية للاستفادة من
الايجابيات وحصر السلبيات وتقويمها وحوصلتها والتفاعل معها من
خلال نقد ذاتي هادف وفعال ان الله لا ييغير ما بقوم حتي يغيروا
ما بانفسهم ويمكن لدوائر التواصل بين الحضارات ان تتسع في حلقات
اكبر واشمل من إقليم المتوسط الي مختلف الأقاليم والقارات
لتستوعب مناطق العولمة علي اسس موحدة من المصالح المشتركة
والفوائد المتبادلة فالجميع يجب ان يتفقوا علي انهم جميعا علي
مستوي واحد من الذكاء والرؤي والطموح أن الشعوب جميعها تبحر في
سفينة واحدة لمواجهة تحديات المجتمع الانساني المتلاطمة, من
اجل تحقيق التنمية المتواصلة لمصلحة الأجيال القادمة ان عجلة
التطور التكنولوجي وثورة المعلومات واكتشافات الفضاء الخارجي
تسير بمعدل اسرع بكثير من استيعابنا لها, بل تقبلها. ولا
يوجد هناك اختيار بالنسبة لقبولها او التعامل معها, فاجيال
الشباب الصاعدة تعي كافة هذه التطورات والتغيرات الجذرية في مجال
الاتصالات والمعلومات والتطور التكنولوجي, ولا يمكن خداعها أو
إقناعها بما هو اقل وعدا أو اضيق نطاقا. ومن الواجب اذن ان
تغير ما بانفسنا ومن رؤانا ومناهجنا وتوجهاتنا واسترتيجياتنا
وادائنا لكي نواكب تيار التغير السريع الجارف ولكي نتجنب الخطر
الداهم في وقفة او الوقوف امامه بلا مناص من التعامل معه
والإبحار مع اتجاهه ان الموقف خطير والصعاب جسام والتحديات عظيمة
والرؤي جلية والامكانات قوية وعزم الامور
واجب. |